صورة تنزلق
السياسية

هل انتهى الشرق الأوسط الذي عرفناه؟

بقلم: لبنى عويضة…

خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

تتحرك السياسة الدولية عادةً بين مسارين: حروب تقضم الحدود لتعيد رسم الخرائط، وتحولات صامتة تغير القواعد التي تحكم العالم. لكن المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران تبدو خارج هذا التصنيف التقليدي؛ فلم تكن حرب خرائط، بل معركة لكسر العظام وإعادة تعريف “قواعد الاشتباك” وحدود النفوذ.

اليوم، لم يعد النصر والهزيمة يُقاسان بحجم الترسانات العسكرية، بل بالقدرة على المناورة وتغيير حسابات الخصم. المسألة باختصار مَن يملك القدرة على فرض شروطه، ومَن يستطيع كبح جماح الآخر في إقليم لا يهدأ؟

منذ غزو العراق عام 2003، عاش الشرق الأوسط على وقع معادلة واضحة ترتبط بهيمنة أميركية صريحة، يقابلها صعود تدريجي ومدروس لمحور تقوده طهران، استثمر بذكاء في الفراغات التي خلّفتها أزمات المنطقة. هذه المعادلة تحدّيداً هي ما يلفظ أنفاسه الأخيرة اليوم.

لعقود طويلة، امتلكت واشنطن ترف صياغة قواعد اللعبة الإقليمية منفردة. لكن السنوات الأخيرة كشفت عن تآكل هذا النفوذ؛ ليس بسبب ضعف أميركي مفاجئ، بل لأن هناك قوى صاعدة باتت قادرة على التعطيل ورفع كلفة أي قرار يتخذه البيت الأبيض. في المقابل، تمددت إيران مستغلةً التصدعات البنيوية في المنطقة—من الشرخ الطائفي إلى الحروب الأهلية—حتى ظنت في لحظة ما أن صعودها بلا سقف. إلا أن الارتطام الأخير بالواقع أعاد رسم حدود الوهم لدى الطرفين.

فالولايات المتحدة، برغم تفوقها العسكري الساحق وضرباتها الدقيقة، عجزت عن ترجمة هذا التفوق إلى حسم سياسي أو إجبار إيران على استسلام ينهي دورها الإقليمي. هذا العجز ليس عابراً، بل هو مؤشر على تحول عميق في طبيعة النظام الدولي الحالي.

على الضفة الأخرى، صمدت إيران ومنعت خصومها من تحقيق سيناريوهاتهم القصوى، لكنها استفاقت على حقيقة جديدة ارتسمت في كون القدرة على المشاكسة والإزعاج لا تعني القدرة على الحسم، والتمدد الإقليمي ليس شيكاً على بياض، والاستنزاف المفتوح قد يلتهم أهم مكتسباتها.

من رحم هذا الإدراك المتبادل، وُلد وقف إطلاق النار الأخير. لكنه لم يكن صك انتصار لأحد ولا وثيقة استسلام، بل اعترافاً واقعياً بحدود القوة، بعد أن أصبحت كلفة التصعيد أكبر من قدرة الجميع على التحمل. باختصار، خرجت الأطراف من هذه الجولة أقوى مما كانت تخشاه، لكنها بالتأكيد أضعف مما كانت تتمنى.

في هذه المساحة الرمادية، تولد ملامح مشهد جديد متعدد الأقطاب؛ دول الخليج تتحول إلى لاعب رئيسي في معادلات التوازن، وتركيا تبحث عن دور يتجاوز قيودها التاريخية، بينما تتسلل الصين بهدوء إلى مفاصل الاقتصاد والسياسة التي احتكرها الغرب طويلاً. إنه فضاء جديد تماماً؛ لا تملك واشنطن مفاتيحه الكاملة، ولا تستطيع طهران إدارته بمفردها. فعنوان المرحلة هو “الردع المتبادل”، حيث التفاوض ممر إلزامي، والتسويات المؤقتة هي الدستور الجديد للإقليم.

وسط هذه الأمواج، تواجه إسرائيل مأزقاً استراتيجياً معقداً؛ فالحرب لم تنهِ هواجسها الأمنية، والتسوية الحالية لم تُفصَّل على مقاس طموحاتها. المعضلة هنا لم تعد في امتلاك السلاح الأقوى، بل في كيفية التكيف مع بيئة إقليمية شديدة السيولة والتحول، لم يعد فيها “الردع” وحده كافياً لشراء الاستقرار.

أما لبنان، فيجد نفسه كالعادة عند خط التماس الأكثر خطورة. المفارقة اليوم ليست في حجم الدمار، بل في موقعه ضمن الحسابات الجديدة؛ إذ تشير المعطيات إلى أن القوى الإقليمية والدولية لا ترغب في تفجير الساحة اللبنانية كلياً خشية انهيار التوازن الهش القائم. ومع ذلك، لا يعني هذا استقراراً حقيقياً، بل بقاء لبنان ورقة معلقة على طاولات التفاوض المؤجلة، اضافة لأنه ساحة تتلقى الصدمات بدل أن تصنع الأحداث.

هنا يتجاوز المشهد حدود الشرق الأوسط ليطرح سؤالاً عالمياً: هل دخلنا فعلياً حقبة ما بعد الأحادية القطبية؟ فلا أميركا قادرة على فرض مشيئتها بالكامل، ولا خصومها يملكون القدرة على كسر نفوذها. الحاكم الفعلي للمرحلة المقبلة هو “التوازن” ذاته، لا الهيمنة.
لذلك، من الخطأ قراءة وقف إطلاق النار الأخير كخاتمة؛ هو في الحقيقة إعلان غير مباشر عن نهاية حقبة وولادة أخرى.

ففي الماضي، كان السؤال الجوهري: مَن يسيطر على الشرق الأوسط؟ أما اليوم، فقد تغير السؤال جذرياً ليصبح: كيف يُدار شرق أوسط لم يعد بإمكان أحد السيطرة عليه؟
وهنا تحديداً، تكمن المعضلة التي لم تختبرها المنطقة من قبل.

زر الذهاب إلى الأعلى