
صباح الخير… لكل من ما زال يؤمن بأن الأوطان تُحمى من الداخل.
هناك لحظات في حياة الشعوب لا يكون الخطر فيها على الحدود، بل في العقول.
حين يصبح الناس أكثر استعدادًا لتصديق ما يفرّقهم من البحث عمّا يجمعهم، يبدأ الوطن بخسارة شيء لا تعوّضه الجيوش ولا الاتفاقيات… يبدأ بخسارة روحه.
من السهل أن نصنع عدوًا من المختلف عنا. ومن السهل أيضًا أن نقتنع بأن خلاصنا يكون بالابتعاد عن بعضنا. أما الصعب، فهو أن نحافظ على إيماننا بأن التنوع لا يعني التناقض، وأن الاختلاف لا يعني العداء.
لهذا، علينا أن نتعامل بحذر مع كل خطاب يزرع الخوف، وكل رواية تدفعنا إلى الانغلاق، وكل فكرة تجعلنا نرى اللبناني الآخر وكأنه تهديد، لا شريك في المصير.
التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تتفكك عندما تختلف الآراء، بل عندما يقتنع أبناؤها أن لا مستقبل يجمعهم. عندها يصبح كل مشروع صغير أكبر من الوطن، وكل مصلحة ضيقة أهم من المصلحة العامة.
لبنان ليس مجرد مساحة على الخريطة. إنه فكرة. وإذا انهارت الفكرة، فلن تستطيع أي حدود أن تحمي الأرض.
قد نختلف في السياسة، وفي الرؤية، وفي الخيارات، وهذا طبيعي. لكن يجب ألا نختلف على حق أولادنا في أن يرثوا وطنًا واحدًا، لا أوهامًا متفرقة.
كل كلمة ننشرها، وكل موقف نتبناه، وكل خبر نشاركه، إما أن يضيف حجرًا في بناء هذا الوطن، أو يزيل حجرًا من أساساته. لذلك، فإن مسؤولية الوعي اليوم لا تقل أهمية عن أي مسؤولية أخرى.
فلنحذر من أن يتحول غضبنا المشروع إلى وقود لمشاريع لا تشبهنا، ومن أن تتحول خيباتنا إلى مبرر للتخلي عن وطن يستحق منا أن نقاتل من أجله بالفكر، وبالأخلاق، وبالوعي.
ربما لا نستطيع أن نغيّر العالم هذا الصباح… لكننا نستطيع أن نرفض أن يكون وعينا ساحةً مفتوحة لكل من يريد أن يزرع الكراهية أو اليأس.
صباح الخير لكل من لا يزال يؤمن أن لبنان أكبر من أزماته، وأكبر من انقساماته، وأن مستقبل هذا البلد لن يكتبه أصحاب الأصوات الأعلى، بل أصحاب الضمائر الحية.