السياسية

هل تعود طرابلس إلى الخارطة العالمية؟

بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

للجغرافيا ذاكرة فولاذية؛ ذاكرة لا تنسى. وطرابلس، تلك المدينة المتكئة على الساحل الشرقي للمتوسط، لم تكن يوماً على هامش المعادلة، بل كانت عبر تاريخها عقدة وصل التقى عندها البحر بالداخل العربي، والمشرق بالغرب.

واليوم، مع تسارع التحولات في خرائط العالم، يعود سؤال قديم بحلّة جديدة: هل تستعيد طرابلس موقعها كعقدة اقتصادية وجيوسياسية في المنطقة؟

فالعالم، في ظل الصراعات الإقليمية والدولية المتصاعدة، بدأ يبحث عن مسارات بديلة للتجارة والطاقة، خصوصاً بعدما تحوّلت بعض الممرات البحرية الحيوية، كمضيق هرمز، إلى مصدر قلق دائم بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية. ولم تعد الطرق مجرد خطوط نقل، بل أصبحت أدوات نفوذ استراتيجي؛ فالدول تتنافس على الموانئ، وشبكات السكك الحديدية، وكل معبر قادر على ربط الأسواق بالقارات.

ومن رحم هذا التنافس، تعود طرابلس إلى دائرة الاهتمام. فمرفؤها الذي يملك مقومات لعب دور إقليمي، ومشروع إعادة تفعيل مطار القليعات الذي بدأ يستعيد تدريجياً، إلى جانب الحديث المتجدد عن إحياء سكك الحديد اللبنانية، كلها مؤشرات تفتح الباب أمام إعادة النظر في موقع المدينة ضمن أي منظومة نقل إقليمية مقبلة.

ويكتسب هذا النقاش أهمية أكبر مع التحركات الإقليمية لإعادة رسم شبكات الربط، ولا سيما الحديث عن مشاريع تربط تركيا بالخليج مروراً بسوريا والأردن، بما يعيد طرح موقع بلاد الشام كمنطقة عبور بين الشرق والغرب.

يحضر التاريخ هنا شاهداً لا يُطوى. فخط كركوك–طرابلس، الذي جعل من المدينة يوماً محطة على خارطة الطاقة العالمية، يذكّر بأن طرابلس لم تكن يوماً خارج حسابات الإقليم.

واليوم، مع إعادة رسم طرق الإمداد وتبدّل أولويات الطاقة، تجد المنطقة نفسها أمام مشاريع منافسة، ومنها الاتفاق العراقي–السوري لإحياء خط كركوك–بانياس، الذي يمنح الساحل السوري دور محطة الوصول المعلنة. وهذا التطور، وإن شكّل تحدياً لموقع طرابلس، إلا أنه في الوقت نفسه ناقوس تحذير يفرض على لبنان الانتقال من الانتظار إلى المبادرة.

فالزيارات السياسية المتجددة إلى بغداد، وما تحمله من رغبة في إعادة العلاقات اللبنانية–العراقية إلى مسارها الطبيعي، قد شكل مدخلاً لإعادة فتح هذا الملف، شرط أن يمتلك لبنان رؤية واضحة ومصالح محددة يسعى إلى تحقيقها.

وطرابلس، من جهتها، لا تقف خالية الوفاض. فمنشآتها النفطية القديمة، بخزاناتها ومحطات الضخ التابعة لها، ما زالت تمثل إرثاً مادياً لتلك المرحلة، وإن كانت تحتاج إلى إعادة تأهيل جدية بعدما طالها الإهمال، بل استُخدم بعضها في مراحل سابقة لأغراض بعيدة عن وظيفتها الأصلية.

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي، فإما أن تتحول هذه البنية إلى جزء من مشروع اقتصادي متجدد، أو تبقى شاهداً صامتاً على فرصة ضائعة.

لكن الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يصنع الدور وحده. فالجغرافيا تبقى إمكانية معلّقة ما لم تسندها إرادة سياسية، واستثمارات حقيقية، وبنية تحتية حديثة، ورؤية تنقل المدينة من مجرد موقع عبور إلى مركز إنتاج وخدمات ولوجستيات.

طرابلس لا تحتاج إلى اكتشاف أهميتها من جديد؛ فهي تحملها منذ قرون في موقعها وموانئها وتاريخها. والتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الميزة الجغرافية إلى مشروع سياسي واقتصادي فعلي يعيد المدينة إلى قلب المعادلة، لا إلى هامشها.

وفي عالم يعيد رسم خرائطه بلا توقف، وفيما تُوقّع الاتفاقيات من حولها واحدة تلو الأخرى، تقف طرابلس أمام فرصة تاريخية لا تحتمل التأجيل. فإما أن تُستثمر هذه اللحظة، أو تُضاف إلى سجل الفرص التي أفلتت من يد المدينة عبر تاريخها الطويل.

زر الذهاب إلى الأعلى