
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
لم تكن جلسة الأمس مجرد جلسة تشريعية تعثّر فيها اقتراح قانون العفو العام بصيغته الإنسانية المعدّلة، بل كشفت بوضوح خريطة المواقف داخل المجلس النيابي، ومن يقف مع إقرار القانون ومن يعمل على تعطيله.
منذ البداية، كان واضحاً أن غالبية النواب السنّة تؤيد القانون إلى جانب القوات اللبنانية والكتائب واللقاء الديمقراطي وبعض النواب التغييريين وغيرهم، باستثناء النواب السنّة في كتلة حزب الله، فيما عارضه علناً نواب حزب الله، وجميل السيد، ونواب التيار الوطني الحر، ونائب رئيس المجلس الياس بو صعب وغيرهم،. أما كتلة الرئيس نبيه بري، فبدا موقفها ملتبساً، بانتظار ما ستؤول إليه الجلسة والتعديلات التي جرى التوافق عليها.
لكن ما جرى أمس لم يكن وليد ساعته. فقد استُخدم الخلاف الذي وقع بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع مطيّة لتفجير الجلسة وترحيل القانون، تحت عنوان الدفاع عن حق وزير الدفاع في إلقاء كلمة ونقل موقف المؤسسة العسكرية.
المشكلة ليست في حق وزير الدفاع في الكلام، ولا في حق الجيش في التعبير عن موقفه، بل في توقيت الكلمة والوظيفة التي كان يمكن أن تؤديها داخل جلسة يفترض أن تحسم القانون. فقد كان واضحاً أن تحويل النقاش إلى خطاب عن الجيش وشهدائه كان سيضع النواب المؤيدين للقانون، ولا سيما النواب السنّة، أمام مسؤولية معنوية زائفة عن دماء العسكريين، ويصور العفو وكأنه إخراج لمحكومين إلى مواجهة الجيش.
وهذا بهتان لا علاقة له بحقيقة القانون.
الأخطر أن هذا المسار كان يمكن أن يحوّل الخلاف التشريعي إلى مواجهة بين الجيش والطائفة السنّية، وأن ينقل البلاد من نقاش حول قانون إلى انقسام عمودي. ومن هنا، فإن توصيف كلمة وزير الدفاع بأنها «وجدانية» لا يجيب عن جوهر ما حصل، ولا يفسر لماذا جاء هذا التصعيد تحديداً عند اقتراب لحظة إقرار القانون.
لقد تعذّر خلال الأشهر الماضية نسف القانون عبر النقاشات والتعديلات ومحاولات تفكيك الموقف السنّي الموحد، فانتقلت المحاولة إلى تفجير الجلسة نفسها. وكان لافتاً في هذا المسار الدور الذي لعبه الياس بو صعب، الذي لم يكتفِ بتضخيم الخلاف بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع، بل أدخل في خطابه مسألة دخول ضباط الجيش إلى المجلس، موحياً بوجود نواب سنّة في مواجهة المؤسسة العسكرية.
وهنا يجب أن يكون الكلام واضحاً: لا النواب السنّة خصم للجيش، ولا الجيش مؤسسة طائفية، ولا يجوز تحويل الخلاف حول قانون إلى فتنة بين الجيش ومكوّن لبناني أساسي.
في المقابل، فإن خروج نواب حزب الله والتيار الوطني الحر لم يكن وحده ليسقط النصاب. كان القانون قادراً على المرور بالتعديلات التي جرى التفاهم عليها مع الرئيس بري لو بقي أصحاب الالتزامات السابقة على مواقفهم. لذلك فإن ما حصل أتاح لبعض النواب الذين كانوا في موقف محرج من الالتزام بالتصويت للقانون فرصة للتراجع عن وعدهم من دون تحمل كلفته السياسية كاملة.
أما النواب السنّة، فاختاروا أمس موقفاً مختلفاً: الصمت، وضبط النفس، وعدم الانجرار إلى التصعيد. لم يكن ذلك ضعفاً ولا تراجعاً، بل كان قراراً واعياً لحماية فرصة إقرار القانون وعدم تقديم الذريعة التي كان يبحث عنها معارضوه لتفجير الجلسة.
لقد فهموا أن المعركة ليست في الرد على كل كلمة، بل في الوصول إلى النتيجة.
ولهذا، فإن هدوءهم لم يكن استسلاماً، ومسايرتهم لم تكن عجزاً، بل كانت محاولة أخيرة لتمرير قانون ينتظره الموقوفون وعائلاتهم منذ سنوات، من دون جرّ البلاد إلى معركة لا يريدها أحد إلا من يريد تعطيل القانون.
لكن جلسة الأمس تركت وراءها حقيقة لا يمكن تجاهلها: لقد عرفنا من التزم، ومن تراجع، ومن عارض، ومن استخدم كل وسيلة ممكنة لتأجيل القانون.
ولذلك فإن عنوان هذه المرحلة لم يكن من ليس مع الجيش أو ضد الجيش، ولا من مع طائفة أو ضد طائفة.
إنه ببساطة:
من كان معنا في إقرار عفو إنساني عادل ومتوازن، ومن كان علينا في إبقاء هذا الملف رهينة التجاذبات السياسية؟
القانون لم يسقط وهو سيقرّ بفعل الارادة الحقيقية والصادقة لدى النواب السنة، كما أن حق الموقوفين في معالجة عادلة لم يسقط بل سيقر اليوم لكن الامور اصبحت مشكوفة.