
لم يكن العدو الإسرائيلي بحاجة إلى من يعيد قراءة كلام سماحة السيد حسن نصر الله على نحو يوحي بأن الأحداث أثبتت خطأ تقديراته، فإذا بالبعض يتطوع بهذه المهمة من الداخل. فتصريحات وفيق صفا لم تثر الأسئلة بسبب ما تضمنته من معلومات حساسة فحسب، بل بسبب ما حملته بين سطورها من إيحاءات خطيرة، وكأن الرجل قرر أن ينصّب نفسه مفسراً لما كان يراه السيد، وحكماً على صحة تلك الرؤية.
منذ متى أصبح من حق أي مسؤول أن يتحدث باسم قائد بحجم السيد، وأن يروي للناس ما كان يعتقده وما كان يتوقعه، ثم يضع الوقائع في سياق يُفهم منه أن الأحداث جاءت لتعاكس ما كان يقوله؟ ومن أعطى وفيق صفا هذا الحق، حتى يتحول من موقع المسؤول التنفيذي إلى موقع المؤرخ والشارح والوصي على إرث رجل صنع مدرسة كاملة في فهم العدو وإدارة الصراع؟
إن أخطر ما في هذه التصريحات أنها لا تسيء إلى شخص السيد، فهو أكبر من أن تنال منه رواية أو شهادة، بل تسيء إلى حقيقة التجربة نفسها. لأن التلميح إلى أن إسرائيل فاجأت السيد، أو أن تقديراته سقطت أمام الوقائع، ليس مجرد اجتهاد إعلامي عابر، بل خطاب يصب، شاء صاحبه أم أبى، في خدمة الرواية التي حاول العدو ترسيخها منذ سنوات.
ثم بأي منطق تُكشف معلومات تتعلق بالقدرات الصاروخية والاختراقات الأمنية على الشاشات؟ وهل أصبحت الأسرار التي حفظت بالدماء مادة للمقابلات التلفزيونية؟ أم أن البعض بات يعتقد أن امتلاكه موقعاً تنظيمياً يمنحه الحق في التصرف بتاريخ المقاومة وكأنه ملك شخصي؟
إن الوفاء لا يكون بالتحدث باسم الشهداء، ولا بوضع الكلمات في أفواه القادة، ولا بإعطاء الانطباع بأن هناك من يملك حق مراجعة أقوالهم بعد رحيلهم. فالرجل الذي هزم المشروع الإسرائيلي في أكثر من محطة لا يحتاج إلى من يبرر له، ولا إلى من يشرح عنه، ولا إلى من يقدم روايات تفتح باب التشكيك في بصيرته وقراءته. وإذا كان من واجب اليوم الدفاع عن إرث سماحة السيد، فإن أول ما يجب رفضه هو أن يتحول هذا الإرث إلى مادة للتأويل الشخصي، مهما علا شأن المتحدث ومهما كان موقعه.
ثمة فرق شاسع بين أن يحمل الإنسان مسؤولية، وبين أن يتصرف وكأنه فوق التاريخ. فبعض التصريحات لا تُقاس بما تقوله فحسب، بل بما تهدمه من هيبة وما تفتحه من أبواب للخصوم. وحين يصبح التسرع في الكلام بديلاً عن الانضباط، وتتحول المنابر الإعلامية إلى مساحة لاستعراض الروايات الشخصية، يكون من حق الناس أن تسأل: هل ضاقت الحكمة إلى هذا الحد، أم أن البعض لم يعد يدرك أن الكلمة التي تخرج من موقع المسؤولية قد تهدم ما عجزت عنه جيوش وأجهزة ومؤامرات؟ فليس كل من جلس قريباً من التجربة أصبح مالكاً لها، وليس كل من عرف بعض التفاصيل صار مؤتمناً على تفسير التاريخ أو التصرف بإرث الرجال العظام.
دلال موسى