صورة تنزلق
السياسية

من لبنان إلى أفريقيا… إنذار دولي حول مستقبل حفظ السلام

في مؤشر جديد إلى تراجع قدرة المجتمع الدولي على احتواء النزاعات، حذّر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري”، اليوم الاثنين، من أن بعثات حفظ السلام حول العالم باتت أمام مرحلة دقيقة، بفعل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة وأزمة التمويل التي تضغط خصوصًا على المهمات العاملة تحت مظلة الأمم المتحدة.

وأشار المعهد في تقريره إلى أن عدد العناصر المنتشرين ضمن مهمات حفظ السلام الدولية تراجع في نهاية عام 2025 إلى أقل من 79 ألف عنصر، وهو أدنى مستوى مسجّل منذ 25 عامًا على الأقل، ما يعكس انكماشًا واضحًا في حضور أدوات إدارة النزاعات متعددة الأطراف.

وقال مدير برنامج عمليات السلام وإدارة النزاعات في معهد “سيبري”، جاير فان دير ليين، إن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى ضعف حاد في إدارة النزاعات متعددة الأطراف، وإلى تهميش شبه كامل لمؤسسات مثل الأمم المتحدة، نتيجة تداخل نقص التمويل مع العوامل السياسية والجيوسياسية.

وأضاف أن هذا التراجع قد يفتح الباب أمام مزيد من النزاعات ذات التداعيات الأشد على المدنيين، خصوصًا في حال تخلّت الدول عن المعايير الراسخة التي حكمت عمل بعثات السلام خلال العقود الماضية.

ولفت التقرير إلى أن الخلافات داخل مجلس الأمن الدولي باتت تزيد صعوبة تجديد تفويض المهمات، في ظل المطالب المتشددة والتهديدات باستخدام حق النقض من الأعضاء الدائمين، ما يضع عمليات حفظ السلام أمام اختبارات سياسية معقدة.

وفي هذا السياق، أشار “سيبري” إلى أن الولايات المتحدة طالبت، على سبيل المثال، بإنهاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل”، على الرغم من انتهاك إسرائيل لوقف إطلاق النار، قبل أن يتوصل مجلس الأمن إلى تسوية قضت بتجديد مهمة القوة لمرة أخيرة حتى كانون الأول 2026.

ورغم هذه التحديات، أكد المعهد أن الدعم لمبدأ الإدارة المتعددة الأطراف للنزاعات لا يزال قائمًا، لكنّه يحتاج إلى خطوات عملية تتجاوز المواقف السياسية المعلنة. وقالت الباحثة في المعهد كلوديا بفايفر كروز إن ضمان استدامة هذا الدور يتطلب من الدول توفير تمويل مستدام وخلق مساحة سياسية كافية تسمح باستجابات فعالة ومتعددة الأطراف.

وبحسب التقرير، بلغ عدد مهمات حفظ السلام في العالم 58 مهمة عام 2025، متراجعًا للمرة الأولى منذ عام 2016 إلى ما دون عتبة 60 مهمة. كما أن 3 أرباع العناصر المنتشرين يخدمون في 5 دول فقط، هي جمهورية أفريقيا الوسطى، جنوب السودان، الصومال، جمهورية الكونغو الديمقراطية ولبنان.

وتبقى أزمة التمويل من أبرز العوامل التي تضغط على هذه المهمات، إذ لم يفِ عدد من أكبر المانحين بالتزاماتهم كليًا أو جزئيًا، ما أدى إلى عجز يبلغ 2 مليار دولار من أصل 5.6 مليارات دولار مخصصة لميزانية 2024-2025، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في ظل توسّع رقعة النزاعات وتزايد الضغوط على المدنيين في أكثر من ساحة، فيما تبدو بعثات حفظ السلام، ولا سيما التابعة للأمم المتحدة، أمام مفترق حاسم بين استمرار دورها كأداة دولية لاحتواء التصعيد، أو تحولها إلى ضحية مباشرة للانقسامات السياسية وشح التمويل. وفي لبنان تحديدًا، يعكس ملف “اليونيفيل” حجم التعقيد الذي يواجه هذا النوع من المهمات، بين الحاجة إلى مراقبة وقف الأعمال العدائية جنوبًا، والضغوط الدولية المتزايدة لإعادة النظر بجدوى هذه القوات وكلفتها ومستقبلها.

زر الذهاب إلى الأعلى