
احمد عدنان
في الحياة السياسية اللبنانية، قد يكون الاختلاف مشروعاً، وقد يكون التنافس حقاً طبيعياً، لكن ما ليس مشروعاً أن يتحوّل الخلاف السياسي إلى استهداف شخصي وعائلي، أو أن تُستباح الخصوصيات والعائلات في حملات لا تمتّ إلى الأخلاق السياسية بصلة.
من هنا، فإن ما تعرّض له النائب الحالي فيصل كرامي لا يمكن فصله عن محاولات النيل من حضوره السياسي وموقعه الشعبي، ومن إرث عائلة شكّلت لعقود طويلة ركناً أساسياً من أركان الحياة الوطنية في لبنان ووجدان مدينة طرابلس.
فيصل كرامي ليس ظاهرة سياسية عابرة، بل هو ابن مدرسةٍ صنعت جزءاً من تاريخ الدولة اللبنانية.
هو حفيد الرئيس عبدالحميد كرامي، وأحد أبناء بيتٍ ارتبط اسمه بالعروبة والاعتدال والقرار الوطني المستقل.
وهو نجل الرئيس عمر كرامي، ووريث خطّ الرئيس الشهيد رشيد كرامي، رجل الدولة الذي دفع حياته ثمناً لمواقفه الوطنية، بعدما تولّى رئاسة الحكومة مرات عدة، وشكّل عنواناً للحوار الوطني والتوازن اللبناني والانتماء العربي.
هذا الإرث لم يكن يوماً إرث سلطة فقط، بل إرث تضحيات ومواقف. فالرئيس الشهيد رشيد كرامي لم يكن مجرد رئيس حكومة، بل رجل تسويات وطنية ومشروع دولة، انتهت مسيرته باغتيالٍ ما زال جرحه مفتوحاً في الذاكرة اللبنانية.
أما النائب فيصل كرامي، فقد اختار أن يحمل هذا الإرث في زمن الانقسامات الحادة والتجاذبات الإقليمية، متمسكاً بخياراته الوطنية والعربية مهما اشتدت الحملات عليه.
عُرف بمواقفه الداعية إلى حماية وحدة لبنان واستقراره، وبتمسكه بعلاقات لبنان العربية، وبإصراره على أن يبقى القرار اللبناني بعيداً عن الإملاءات الخارجية والضغوط السياسية.
وفي مسيرته السياسية والوزارية والنيابية، لم يُخفِ يوماً انتماءه العروبي ولا تمسّكه بالقضية الفلسطينية كقضية حق عربي وإنساني، كما لم يتراجع عن الدعوة إلى الحفاظ على هوية لبنان العربية، وعلى موقع طرابلس التاريخي كمدينة انفتاح وعلم واعتدال وكرامة وطنية.
قد يختلف البعض مع مواقفه السياسية، وهذا حقّ مشروع في أي نظام ديمقراطي، لكن الإنصاف يفرض التمييز بين الاختلاف السياسي وبين حملات التشويه والإساءة.
فالرجل يُواجَه بالحجة، والنائب يُحاسَب على أدائه وخياراته ومواقفه، لا عبر الشائعات أو استهداف العائلة أو الزجّ بالأبناء والحياة الخاصة في معارك السياسة.لقد عرف اللبنانيون آل كرامي في المحطات الكبرى: في الدفاع عن عروبة لبنان، وفي التمسك بالدولة، وفي الوقوف إلى جانب القضايا الوطنية، وفي تحمّل أثمان الموقف عندما كانت الكلفة عالية والخيارات صعبة.
واليوم، يبقى فيصل كرامي نائباً حاضراً في المشهد الوطني، يحمل إرث عائلةٍ لم تكن يوماً عابرة في تاريخ لبنان، ويواصل خوض العمل العام من موقع قناعاته السياسية والوطنية، سواء اتفق معه البعض أو اختلفوا معه.أما الحملات العابرة، فقد علّمنا تاريخ لبنان أنها تنتهي، فيما تبقى المواقف، وتبقى البيوت السياسية التي صنعت تاريخاً من النضال والعمل الوطني والعروبة الراسخة.