اخبار ومتفرقات

النبي: ملحمة الروح وشهيد زوطر الغربية

بقلم: ناجي علي امهز
مقدمة: ليلةُ المحاورة مع “النبي”
بكيتُ حتى استنفدتُ الموت في عينيّ، وكان الألمُ جبلاً رابضاً فوق صدري، فلم تكن الحروفُ إلا حصىً مبعثراً لا يقوى على بناء جملةٍ واحدة تليق بهذا الوجع. وقفتُ أمام مشهد شهيد “زوطر الغربية” عاجزاً، يخرسني حيائي من أهله؛ فأنا لا أعرفُ أمه لأسألها كيف يغدو الفراق في حياتها صبراً، ولا أعرفُ أخواته لأدرك كيف ينكسرُ الظهرُ ويظلُّ الشموخُ قائماً، ولا أملكُ الجرأة أن أدنو من والده وهو يرتدي “الفخار” برداء ابنه الشهيد، فالفخرُ في حضرة الموت مهيبٌ كيوم القيامة.
ولأنني لم أجد في لغة الأحياء ما يروي غليل جرحي، يممتُ وجهي شطر “النبي”، واستحضرتُ روح “جبران خليل جبران”. قضيتُ ليلةً كاملة تحت جنح السكون، أناقشه، أصفُ له تفاصيل ذاك الفتى الذي لم يمت، بل “غفا” بسلامٍ لم تألفه الأرض. أخبرته عن الغرفة الصغيرة، عن البندقية التي صارت جزءاً من جسده، وعن دمه الذي كتب السطر الأخير في كتاب العزة.
هناك، في تلك الخلوة الروحية، شعرت ان جبران يملى عليّ كلماتٍ لا تخرج إلا من حضرة الخلود، هو صدى تلك الليلة التي امتزج فيها أنيني بكلمات جبران، لنكتب معاً “إنجيل الفداء” لشهيدٍ لم يهزم الموت فحسب، بل جعله يبدو كاستراحة محارب.

في البدء كان الموقف، والموقف كان حقاً، والحق كان دماً.
في زوطر الغربية، حيث تنحني السماء لتقبل جبين الأرض، لم يكن هناك موت، بل كان هناك “عبور”.
اسمعوا يا أبناء الأرض، ويا سدنة العروش، وتجار الاوطان والاديان: “الطاغية جنازةٌ مؤجلة تنتهي بمجرد الدفن، أما الشهيد فهو قيامةٌ مستمرة تبدأ لحظة الوداع.”

هو لم يرحل بطلقة، بل استوى على عرش الخلود بقرار. حمل روحه كأنها حفنة من الضوء، وألقى بها في وجه الظلام، ليعلم الجبناء أن الحياة ليست في طول السنين، بل في لحظات الكرامة.

طوبى لتلك الغرفة في زوطر، التي تحولت من جدرانٍ طينية إلى محرابٍ كونيّ.
هناك، دخل الابنُ “ابن الحياة” ليقاتل الموت، حاملاً جرحه كنيشان، وبندقيته ككتابٍ مقدس. لم تكن قطعة حديد، بل كانت اليد التي لا تخون، والرفيق الذي لا يفر.
آمن بها كما آمن بالآيات والتراتيل، فصارت في كفه غصن زيتونٍ من نار.
وعند البركة، حيث يغتسل الوجع بالماء، ويتعمد الجسد بطهر السماء، امتزجت دماه بالتراب، فصار الترابُ مقدساً، وصار الوجود شاهداً لا ينام.
شعر بالبرد؟ نعم، هو بردُ الفراق لا صقيع الفناء. بردُ الحنين إلى وجوهٍ غابت، ليحضر هو في غيابهم حضوراً لا يغيب.

انظروا.. الجنوبُ كله اتكأ على كتفي ذاك الشاب.
أشجار الزيتون التي غرسها الأنبياء والأجداد والاباء، انحنت لتهمس في أذنه: “لا تخف يا بني، فالأرضُ لا تنسى من عانقها بدمه.”

لم تكن أصابعه تقبض على الزناد، بل كانت تكتبُ الوصية الأخيرة على جدار الزمن: “الأجسادُ جسورٌ تعبر عليها الأمم، والقضايا لا تسقط طالما أن هناك جرحاً يرفض الالتئام إلا بالنصر.”
لقد غفا إنساناً، واستيقظ فكرةً.. والفكرةُ لا تموت.

ويلٌ للذين يَعُدُّون الشهداء كحبات الرمل!
ويلٌ للألسنة “والابواق” الباردة التي تقول: “إن رحل عشرة آلاف، سننجبُ غيرهم.”
كذبوا.. فكل شهيد هو عالمٌ بأسره انطفأ في بيتٍ، ليشتعل في سماء الوطن.
الشهيد ليس رقماً في خطاب، ولا وقوداً لمحرقة الساسة، ولا شعاراً على جدارٍ باهت.
الشهيد اسمٌ، ووجهٌ، وضحكةٌ، وأمٌّ ينتظرها الوجعُ عند كل صلاة.
إنهم يريدون حجب شمسكم بضجيج شعاراتهم، يريدون تحويل بطولاتكم إلى دعاية، لكنّ دمكم “حقيقةٌ” لا تقبل التزوير.

عذراً أيها المقيم في عليائك..
عذراً لأن أقلامنا حوصرت، ولأن الحقيقة في أوطاننا تُعامل كخيانة.
لقد أرادوا لنا أن نكتب عن “الزعماء” ونسينا “الشهداء”.
أرادوا لنا أن نهتف للقادة ونسينا الوطن والسيادة.
لقد عزلوا الصوت الذي أراد أن يكتب عن طهركم بعيداً عن دنس السياسة، لكنهم فشلوا..
لأن دمكم هو المداد، والمدادُ إذا كان دماً، لا تمحوه رياحُ النسيان.

نم مطمئناً يا شهيد زوطر.. يا شهيد لبنان.. يا شهيد الكرامة الإنسانية.
أنت الآن في مكانٍ لا يصله زيفُ الخطباء، ولا مكرُ الساسة.
أنت مع الله، مع الأرض، مع الحقيقة.
ستبقى تضحيتك أكبر من اللغة واوسع من السماء، وسيبقى دمك أبلغ من كل الأقلام.
“يموت الإنسان مرة، أما الموقف الشريف فيولد كل يوم الف مرة.”
ستنتهي الحروب، ويبدأ الخلود.

زر الذهاب إلى الأعلى