صورة تنزلق
السياسية

سلام الصالونات وحرب الجغرافيا: هل ولد اتفاق وقف إطلاق النار ميتاً؟

بقلم: لبنى عويضة…


خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

لم يحتج بيان واشنطن المشترك بشأن “اتفاق وقف إطلاق النار” بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية لأكثر من أربعٍ وعشرين ساعة لكي يتحول من مسودة تفاؤل دبلوماسي إلى حبرٍ ميت على ورق الصراعات. فبينما سُوِّق الحدث في كواليس الإدارة الأميركية كإنجاز يمهد لتسوية شاملة، جاءت الصدمة سريعة من خنادق الأرض؛ ليتضح أن الهوة بين تمنيات الصالونات المغلقة وحقائق الميدان المستعر أعادت إنتاج المعضلة ذاتها: الحروب لا تنتهي برغبة الوسطاء، بل بحجم الموازين التي تفرضها فوهات المدافع.
المعادلة سقطت قبل أن تبدأ. الرفض الصارم والعلني الذي أعلنه حزب الله على لسان أمينه العام نعيم قاسم، واصفاً شروط الاتفاق بـ”المخزية” وبأنها محاولة لتجريد الجبهة من سلاحها عبر صيغة “المناطق التجريبية”، تلاقى في المقلب الآخر مع طبول حرب إسرائيلية لم تتوقف؛ حيث سارع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس للتأكيد على مواصلة الغارات، مدفوعاً بضغط يمين متطرف يرى في أي تهدئة “خطأً فادحاً”.

هذا التقاطع في الرفض أسقط باكراً وهم “الفرصة الأخيرة”، مؤكداً أن جبهات هذه المنطقة لا تكترث بخرائط الطرق المقترحة؛ فللأرض هنا لغتها الخاصة، لغة لا تُصاغ بريشة الدبلوماسيين النظيفة، بل بحبر القذائف الثقيل والحديد اللاهب.
ومع هذا الانسداد، بدا أن كل ما جرى خلف أبواب واشنطن لم يكن أكثر من مناورة لرفع الأسقف وشراء الوقت، دون أن يجرؤ أحد على ملامسة لغم الصراع الحقيقي وجغرافيته المعقدة. فالواقع والتاريخ يثبتان أن أي تسوية تُطبخ في الغرف المكيفة بمعزل عن بارود الخنادق، تولد ميتة أو مشوهة، وأن الرهان على “ضمانات ورقية” بين أطراف لا يثق أحدها بظل الآخر هو مجرد ركض خلف السراب. وهكذا، وبينما غرقت العواصم في ترف فك شفرات البنود، انشغلت الجبهة بما تتقنه جيداً، فلا غارات تهدأ، السماء مستباحة، وأحزمة النار تبتلع ما تبقى من حياة.

في هذا الإعصار، يجد لبنان الرسمي نفسه مجدداً في موقع العاجز عن فرض سيادته، مستسلماً لمعادلة تتجاوز حدود قراره، ليُقدّم كقربان رخيص على مذبح المصالح الخارجية والحسابات الإقليمية والدولية. الارتداد ليس مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل هو نزيف يتسلل إلى عمق الداخل اللبناني المنهك بأزماته الاقتصادية والسياسية المترابطة، مما يرفع منسوب القلق حول هوية “اليوم التالي” في بلدٍ يبدو معلقاً دائماً على حافة الانفجار الحتمي.
في المحصلة، وبينما ينشغل العالم بتشريح جثة اتفاق أُجهض في مهده، يكشف الواقع عن حقيقته العارية بعد انتهاء جولة أخرى من “استعراض العضلات” بين طرفين أحرقا حتى رماد الأرض، دون أن تلوح في الأفق أي ركيزة فعلية للحل. وفي نهاية هذا العبث المتمثل في “سلام الصالونات الميت”، تتضح الفاتورة الحقيقية للصراع؛ فلا الأوراق الممزقة في واشنطن ستعيد الشهداء الذين ارتقوا، ولا الوعود الدولية ستُرمم بحسرة تلك القرى والبلدات التي دُمّرت في جنوبنا، واحتُلت، ونُهبت حيواتها. لقد ذهبت السكرة السياسية وبقيت الفاجعة الإنسانية حكراً على الأبرياء الذين استيقظوا ليجدوا بيوتاً عمّرتها سواعد السنين قد تحولت إلى رماد، ليكونوا وحدهم، ومن لحمهم الحي، الثمن الدائم لحروب وتسويات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

زر الذهاب إلى الأعلى