
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
تجاوز المشهد في مهرجان إحياء ذكرى الرئيس الشهيد رشيد كرامي يوم الأحد الماضي، حدود الوفاء التقليدي لشخصية وطنية تاريخية، ليتحول إلى حدث سياسي واجتماعي بامتياز؛ حدثٌ أعاد ترتيب صورة طرابلس في الذاكرة اللبنانية، وفتح نقاشاً جاداً حول موقع المدينة ودورها في اللحظة الراهنة.
اللافت في المهرجان لم يقتصر على الحشد الشعبي، بل تجلّى في ذلك الحضور النوعي والوازن للنخبة الطرابلسية؛ من عمداء جامعات، وأساتذة، وإعلاميين، ورجال أعمال، وحقوقيين ومثقفين وكُثر. هذا الالتفاف النخبوي يحمل رسالة بالغة الدلالة ويؤكد أن طرابلس ليست مجرد خزان بشري أو ساحة لتسجيل المواقف، بل هي مدينة رأي وخبرة، تملك نخبها الفاعلة القدرة على صياغة التوجهات ورسم الخيارات.
من هنا، أعاد هذا المشهد طرح الفكرة الأساس؛ عودة السياسة بمعناها الحقيقي إلى طرابلس. فالمدينة التي حُوصرت طويلاً في خانة التهميش أو الاستغلال كصندوق بريد، بدت من خلال المهرجان كأنها تسترد دورها الطبيعي عبر مساحة للنقاش الحيّ ومصنع للقرار، لا مجرد متلقٍّ للأحداث أو صدىً لها.
هذا الحضور النوعي أعاد إلى الأذهان مفهوم “أهل الحل والعقد”. هؤلاء ليسوا عابري سبيل في زواريب السياسة، بل هم فاعليات تؤثر في المزاج العام وتملك القدرة على مد الجسور. حضورهم يؤكد أن العمل السياسي في عاصمة الشمال لا يُختصر بالشعارات الرنانة، بل يستند إلى شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والفكرية والاقتصادية، قادرة على ضبط الإيقاع وقيادة المرحلة.
والأهم، أن طرابلس ظهرت في هذا اليوم بوجهها الحقيقي؛ وجه المدينة الجامعة التي تلم شمل الوطن. ففي محطة استذكار “الرشيد”، استحضرت طرابلس دورها التاريخي كمساحة تلاقي تتسع لجميع الأطياف اللبنانية، وتثبت مجدداً أنها قادرة على جمع المختلفين حول قواسم وطنية مشتركة.
وفي سياق القراءة السياسية العميقة، وجّه المهرجان صفعة قوية لخطاب التشنج وجوقة “الصيد في الماء العكر” التي حاولت المزايدة على الحدث. إن المواقف الوازنة التي أطلقها فيصل كرامي لم تكن مجرد خيار سياسي عابر، بل شكلت خطوة إنقاذية وقراءة واقعية شجاعة لحقيقة التوازنات في بلد لا يعيش بالإقصاء، لتكون هذه المواقف الممر الإلزامي الوحيد لحماية عروبة لبنان وتعدديته في مواجهة مشاريع الشرذمة. ومن هنا، فإن حملات التخوين والاستهداف المبرمجة ضد “بيت كرامي” لا تعكس سوى الإفلاس السياسي وضيق أفق أصحابها العاجزين عن مجاراة هذا الحضور الميداني؛ لقد وضع كرامي النقاط على الحروف، وأثبت أن التعددية ليست شعارات تُرفع، بل ممارسة شجاعة وضعت الجميع أمام مسؤولياتهم لحماية لبنان وحماية طرابلس من الانزلاق وراء مغامرات غير محسوبة.
في المحصلة، لم يكن نجاح المهرجان مجرد نجاح في الحشد أو التنظيم، بل في طبيعة الرسائل التي أطلقها. وقبل كل شيء، أثبتت القراءة الميدانية أن “بيت كرامي” يمثّل رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في المعادلة الطرابلسية واللبنانية؛ ليس كإرث من الماضي فحسب، بل كحضور سياسي واجتماعي حيّ، يملك القدرة على التأثير وإعادة صياغة الدور كلما دعت الحاجة.
لقد قالت طرابلس كلمتها بهدوء وثقة وإثنيات انها ليست على هامش الوطن، بل في عمق المشهد وصناعته، متى ما أُتيحت لها المساحة، ومتى ما التقى أهلها على قضية بدلاً من الاصطفاف.