
بقلم: ناجي علي أمهز
ليست مأساة لبنان في تلك الحروب التي تعاقبت على أرضه، ولا في الأزمات العاتية التي أنهكت كاهل أبنائه، بل إن معجزته الكبرى تكمن في كونه وطناً يرفض الخضوع لقانون “الموت”. فمنذ بزغ فجر هذا الكيان، بدا وكأنه يتحدى المنطق السائد؛ فكلما ظن العالم أن صفحته قد طويت وأن هويته قد سقطت في غياهب النسيان، انبعث من جديد أكثر حضوراً في التاريخ وأكثر رسوخاً في الوجدان. ولعل سرّ هذا الوطن لا يكمن في تضاريس جباله ولا في زُرقة بحره، ولا في تلك المساحة الجغرافية الضيقة التي قد تضيع بين خرائط القارات، بل يكمن في “الفكرة” التي سكنت قلوب أبنائه قبل أن يسكنوا هم أرضه. فالوطن في وعي اللبناني ليس مجرد حقل يفلحه المزارع ليجني خبزه، ولا بيتاً من حجر يُشيّد ليتقي به “قيظ” الصيف وقرّ الشتاء، بل هو تلك الروح التي تتماهى مع التراب؛ حين تداعب أنامله الأرض، يشعر أن هذا الوطن هو “الأم الطبيعية” التي تحتضنه حين يغيب من حوله الصحب والخلان.
لقد تمايز اللبناني عبر العصور، فبينما كانت شعوب وأمم غارقة في ثقافة الغزو والسبي والنهب، كان اللبناني منذ فجر التاريخ يضرب معوله في الصخر، يستنطق الأرض لتخرج خيراتها، ويأكل من كدّ يمينه وعرق جبينه، محولاً هذه البقعة من جغرافيا صلبة إلى رسالة سماوية يعيش لأجلها ويعود في النهاية إلى رحمها.
لهذا ظل لبنان، رغم كل الطعنات، يشبه “الأرزة” الضاربة جذورها في سحيق الزمن، تستقبل العواصف بشموخ دون أن تنكسر، ويشبه “طائر الفينيق” الذي يرى في الرماد فجر انبعاث جديد. وكأن العناية الإلهية شاءت أن تجعل من هذه الأرض مختبراً أبدياً لقدرة الإنسان على تحويل الألم إلى رجاء، والانقسام إلى لقاء، والخراب إلى قيامة وطنية.
قبل أسبوعين، سألني أحد الآباء: “هل ستشارك في رتبة تطويب البطريرك الياس الحويّك؟”. لم تكن الدعوة مجرد نداء لحضور احتفال كنسي، بل كانت استنهاضاً لإعادة اكتشاف الجوهر اللبناني. أخذ يحدثني عن الحويّك، لا بوصفه بطريركاً جليلاً فحسب، بل بوصفه مهندس الكيان الذي أدرك أن الأوطان لا تقوم بحد السيف وحده، بل بـ “الفكرة” التي تسبق البناء وتحرس الوجود. في تلك اللحظة، شعرت بعظمة الثقافة التي تدرك قيمة النخبة؛ فالمسيحي الواعي كان يدعو الكاتب والموسيقي والرسام ليشهدوا هذا التطويب، إيماناً منه بأن الكلمة القوية والفكر النقي هما من يمنحان القداسة رهبتها، ويجعلان من المشهد ذاكرة أبدية تسري في عروق الأمة.
“فكما يحتاج الإله إلى رسلٍ يحملون رسالته، يحتاج القديس إلى نخبٍ فكرية تقدس الكلمة، لتخطَّ آيات عظمته؛ فبها يعانق السرُّ الأرضيُّ ملكوتَ السماء، وتتحول اللحظة إلى نشيدٍ خالدٍ تردده الأجيال.”
في مساء “الديمان”، لم يكن الطريق إلى الصرح مجرد مسار جغرافي، بل كانت لوحة رسمها الاله، ارتقاءً نحو ذاكرة الوطن. صعدت برفقة البروفيسور رائف رضا، وكانت الجبال تتدثر بسكينة الصلاة. امتزج عبق البخور بنسائم الأرز، وانسابت التراتيل بين الأودية كأن الصخور نفسها تحفظ الألحان عن ظهر قلب. هناك، تدرك أن الطبيعة في لبنان ليست صامتة، بل هي شريك في صياغة التاريخ وحارس أمين للرسالة.
نظرت في وجوه الحاضرين، فلم أرَ جمهورا، بل رأيت شعباً جاء ليستعيد ثقته بنفسه؛ كان في العيون ذلك الفرح الهادئ، طمأنينة الذين يشعرون أن كرامتهم التاريخية تقدس امام اعينهم.
كان الحضور مهيبا، الرئاسة والقيادات السياسية والفكرية، ليس من اجل المشاركة والبروتوكالات الرسمية، بل من اجل الامتنان والشعور بالعرفان للبطريرك الحويك الذي وهبنا اسم لبنان، من اجل ذوبان الجميع تحت سقف الفكرة الواحدة.
“ثم أطلّ غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، يتقدّم نحو المذبح بإيمانٍ مطلقٍ بمسيحهِ وبلبنانِه، وبعزم شابٍّ لم تكسر السنوات حماسه، وكأن التاريخ يتأهب ليدوّن عنه فصلاً جديداً من فصول الثبات. راقبتُ خطواته الواثقة وملامحه التي أضاءها يقينٌ راسخ؛ وقفنا مراراً، وطالت الصلوات، لكنه ظلّ ثابتاً كأرزةٍ صامدة، كأن جبال الشمال تسنده وهو يستند إليها بعروقٍ من صلاة.
في تلك اللحظة، شعرتُ أن جبران خليل جبران كان يستشرفُ حضورَه حين وصف اللبناني بـ ‘الشيخ الذي يتكئ على عصاه فوق الصخرة مستقبلاً الشمس’؛ فقد رأى جبران في الرهبان والرجال تلك القوة الروحية التي تهزم الزمن، فصاغها حكمةً خالدة تتجسد اليوم في وقار غبطته.”
وحين أُعلن البطريرك الياس الحويّك طوباوياً، انفجر الصمت تصفيقاً هادراً؛ لم يكن تصفيقاً عابراً، بل كان “مبايعةً” لإنسان اختار درب القداسة له ولشعبه. رأيت الدموع تلمع في عيون الرجال، والنساء يغرقن في خشوع الركوع، والوجوه ترنو نحو الأفق وكأنها تبحث عن وجه لبنان الحقيقي الذي رسمه الحويّك.
عندما ارتفعت الستارة عن الأيقونة، ثم تقدم التمثال والارزة منقوشة خلفه في الصخر، أدركت الفرق الجوهري؛ فالقادة يقفون أمام الأرزة ليرتشفوا منها شرعية، أما الحويّك فبدت الأرزة خلفه وكأنها تستمد منه معناها وبقاءها وشرعيتها. لقد حمل الحويّك صليبه وايمانه بشعبه وأرزته معاً، وحمل فكرة لبنان قبل أن تصبح دولة، وصان الحرية قبل أن تدوّن في الدساتير.
إن رسالة الفاتيكان اليوم تتجاوز حدود الطقس الديني؛ فالحويّك لم يطلب وطناً لفئة أو طائفة، بل أراد للبنان أن يكون سقفاً يحمي حرية المسلم والمسيحي معاً، وهذا هو الفارق الجوهري بين “كيان الجماعة” و”وطن الفكرة”. إن هذا التطويب هو إعلان كوني بأن لبنان “الرسالة” ليس عرضة للزوال، وأن حدوده الـ 10452 كيلومتراً مربعاً هي عهد مقدّس لا يقبل التفريط.
لقد قالها الفاتيكان للعالم بأسره: طالما أن الكنيسة قائمة، فإن لبنان سيبقى سيداً، حراً، وعصياً على أي احتلال أو انتقاص، فكل حبة تراب من هذا الوطن قد تعمّدت بقداسة التاريخ، ولن تتغير حدوده مهما تبدلت خرائط الشرق، لأن الأوطان التي تُطوّبها السماء لا تملك الأرض حق محوها، آمين.