
بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
تاريخياً، تبدّل الأعداء مراراً وتكراراً، حتى داخل الدولة الواحدة. فمن النادر أن نجد عدواً ثابتاً عبر الزمن، لكن فكرة العدو نفسها تبدو خالدة لا تموت. فكلما انطوت صفحة خصم، برز آخر ليملأ الفراغ. وكأن السياسة لا تحتمل غياب المواجهة، أو ربما لا تحتمل غياب من تُبنى عليه المواجهة.
فالعدو، مهما اختلف اسمه أو وجهه أو الشعارات التي يحملها، يؤدي وظيفة تتجاوز الصراع نفسه. إذ يتحول إلى مصدر دائم للخوف، والخوف بدوره يمنح السلطة مساحة أوسع للحركة، ويجعل القرارات الصعبة أو حتى غير الشعبية أكثر قابلية للتبرير، فيما يبقى الشارع في حالة ترقب واستنفار دائمين.
وسواء لبس هذا “البعبع” ثوب دولة منافسة، أو فكراً مغايراً، أو تنظيماً مسلحاً، فإن جوهر المسألة لا يكمن في هويته، بل في كيفية تقديمه للرأي العام. فغالباً ما يُضخَّم الخطر إلى حد تصويره كتهديد وجودي، بحيث يصبح الالتفاف حول القيادة الخيار الوحيد المطروح، وتؤجل الخلافات الداخلية، ويُطلب من الناس القبول بإجراءات استثنائية بحجة أن الخطر يقف على الأبواب.
لكن السؤال الجوهري لا يكمن في معرفة العدو، بل في معرفة سبب عجز بعض الأنظمة عن العيش من دونه.
فالخوف ليس مجرد انفعال بشري عابر، بل أحد أكثر الأدوات تأثيراً في توجيه السلوك الجماعي. إذ أنه في أوقات الاستقرار، يميل الناس إلى طرح الأسئلة الصعبة: أين العدالة؟ لماذا تتفاقم البطالة؟ ما أسباب تعثر الاقتصاد؟ وأين تكمن مواطن الفساد؟… لكن ما إن يلوح الخطر حتى تتراجع هذه الملفات إلى الخلف، ويصبح الأمان والاستقرار أولوية تتقدم على ما عداها.
من هنا، لا يبدو “البعبع السياسي” تفصيلاً عابراً في تاريخ الدول، بل ركناً أساسياً في آلية عمل كثير من الأنظمة والإمبراطوريات عبر العصور.
ويقدم تاريخ الصراعات الكبرى أمثلة واضحة على ذلك. فخلال عقود الحرب الباردة، اقتات المعسكران على وجود بعضهما البعض. عاش الغرب في مواجهة ما سُمّي بـ”المد الشيوعي”، فيما برر الشرق كثيراً من سياساته الداخلية تحت ذريعة عنوان التصدي لـ”الإمبريالية الرأسمالية”. وعندما انهار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي، لم يدخل العالم مرحلة سلام دائم كما كان متوقعاً، بل سرعان ما ظهر عدو جديد. وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول، تحوّل الإرهاب من تهديد أمني إلى عنوان سياسي واسع استُخدم لتبرير حروب وتشريعات استثنائية وإجراءات قيّدت الحريات في أكثر من مكان حول العالم.
وبالطبع، لا يعني ذلك أن جميع المخاطر وهمية أو مصطنعة، فالعالم مليء بصراعات حقيقية وتهديدات فعلية. لكن هناك فارقاً كبيراً بين التعامل مع خطر واقعي بحجمه الطبيعي، وبين تحويله إلى المحور الذي تدور حوله حياة الدولة بأكملها. وهنا تحديداً تكمن المسافة الفاصلة بين حماية المجتمع واستثمار مخاوفه.
فالأنظمة التي تعاني أزمات داخلية أو تفتقر إلى مشاريع تنموية مقنعة، تجد أحياناً في استمرار الصراع فرصة لتأجيل الأسئلة الصعبة. ومع الوقت، يتحول العدو الخارجي إلى شماعة جاهزة تُعلّق عليها الإخفاقات الاقتصادية والتراجعات السياسية وحتى الأزمات الاجتماعية.
أما المفارقة الأكثر إثارة للتأمل، فهي أن الأنظمة التي ترفع شعار القضاء على خصومها قد تكون، في بعض الأحيان، الأكثر خشية من اختفائهم. فحين يقوم جزء من شرعيتها على وجود تهديد دائم، يصبح الانتصار الكامل معضلة أكثر منه إنجازاً. إذ إن غياب الخصم يعني سقوط الذريعة، وتحول الأنظار من الخارج إلى الداخل، حيث الأسئلة المؤجلة والملفات العالقة.
لذلك، قد لا تكون الحقيقة السياسية الأكثر مرارة أن السلطة تريد القضاء على “البعبع”، بل أنها تحتاج إلى بقائه، ولو بصورة أو بأخرى، كي يستمر دوره في تبرير ما لا يمكن تبريره في الظروف العادية.
ويبقى السؤال الأكثر إزعاجاً للأنظمة: ماذا لو اختفى الأعداء جميعاً؟
ماذا يحدث عندما تُصفّى الحسابات وتسقط الذرائع، ولا يبقى خصم تُلقى عليه مسؤولية الإخفاقات والتراجعات؟ عندها فقط تنحسر غشاوة الخوف، وتتجه الأنظار نحو الداخل. في تلك اللحظة، تجد السلطة نفسها أمام الشارع مباشرة، مطالبة بالإجابة عن الأسئلة التي طالما أُجّل طرحها، وربما صُنعت من أجل تأجيلها ألف بعبع وبعبع عبر الزمن.