
بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
لا تقف كرة القدم في لبنان عند حدود المستطيل الأخضر، بل تتحوّل في لحظة إلى مساحة كثيفة للعواطف، ومرآة تعكس مزاج الناس وتناقضاتهم. وفي كثير من الأحيان، تبدو أكثر تأثيرًا من الخطاب السياسي نفسه، حتى لتتحوّل بعض لحظاتها إلى احتكاكات تتجاوز حدود اللعبة. وفي المقابل، تمرّ دول كثيرة على أحداث المونديال بهدوء، كخبر رياضي عابر، بينما تتحوّل المباريات هنا إلى حدث اجتماعي واسع الحضور.
في المقاهي المزدحمة والشاشات العملاقة التي تنقل المباريات من وراء البحار، تتشكّل لحظات تتجاوز معنى الرياضة التقليدي، وكأن الناس تبحث من خلالها عن شيء أعمق من الفوز والخسارة.
في كل بطولة كبرى، لا يعود السؤال: من سيفوز؟ بل يفرض نفسه سؤال آخر: “مين بتشجّع؟” وكأن الهوية الكروية تتحوّل إلى معيار للحضور والانتماء. وقد يشتدّ هذا السؤال إلى حدّ “الويل” لمن يشجّع الفريق الآخر، في مشهد يعكس كيف يصبح الانتماء الكروي، في هذا السياق، أقرب إلى مأوى عاطفي تتداخل فيه الوراثة بالصدفة، ليملأ فراغًا ما في الداخل.
ومن هنا، لا تعود مباريات مثل ألمانيا والبرازيل مجرد مواجهة رياضية، بل تتحوّل عند بعض الجماهير إلى مساحة استقطاب حاد، قد يختلط فيها الحماس بالمبالغة، والمزاح بالتوتّر، حتى تصل أحيانًا إلى احتكاكات لا تعكس روح اللعبة. وكأن التشجيع، بدل أن يبقى تعبيرًا عن الشغف، يتحوّل إلى نصل استفزاز يذيب الحدود بين الفرح والانفعال غير المنضبط. فما حدث مساء أمس معيب ومؤسف، حين خرجت كرة القدم عن إطارها الرياضي وتحولت إلى سبب للتوتر بدل أن تبقى مساحة للفرح والتشجيع فضجت الشوارع بالإشكالات وترافقت في بعض الأماكن بإطلاق النار والضرب بالعصي.
وفي مفارقة لافتة، بينما كانت هذه “الحروب الكروية” تشتعل في الشوارع حول مباريات لا تخصّنا مباشرة، كان منتخب لبنان يحقق إنجازًا حقيقيًا بتأهله في كأس العالم لكرة السلة لعام 2027، دون أن يحظى بالاهتمام نفسه، وكأننا ننجذب أكثر إلى المعارك المستعارة وصخبها، ونزهد في نصرٍ يحمل اسمنا الفعلي.
صحيح أن لكل رياضة جمهورها، وأن الاختلاف في التشجيع أمر طبيعي، لكن الملاحظ عبر السنوات أن جزءًا من جمهور “المونديال” بات يستهلك الحدث كـ “ترند” أكثر من كونه متابعة رياضية، حيث تختلط المعرفة الرياضية بسطحية التفاعل الرقمي، ويصبح الحضور على مواقع التواصل أحيانًا أهم من فهم ما يجري على أرض الملعب.
هذا الفيضان العاطفي يفرّغ الرياضة من معناها الأصيل، فبدل أن تكون مساحة للتلاقي، تتحوّل في بعض اللحظات إلى ساحة لتفريغ توترات مكبوتة. وهنا لا تعود المشكلة في اللعبة نفسها، بل في طريقة إسقاطها على الواقع، وعلى العلاقات بين الناس.
وفي المحصلة، فلكلٍّ حقه في التشجيع والتعبير. لكن يبقى المطلوب أن يبقى هذا الشغف واعيًا لا عدائيًا، وأن تبقى المدرجات مساحة للصوت لا للصدام. ففي النهاية، أجمل ما في اللعبة ليس نتيجتها، بل قدرتنا على أن نبقى بشرًا بعد صافرة النهاية.