*مصيبة الشيعة تكبر، بالحرب الإعلامية على الدروز.*
*بقلم: ناجي علي أمهز*
تكمن المأساة الشيعية اليوم لا في فداحة الخسائر المادية والبشرية التي خلفتها الحرب فحسب، بل في العجز عن استيلاد الدروس العميقة من هذه النكبة؛ فالمجتمعات التي تفشل في مراجعة ذاتها تظل أسيرة أزماتها حتى وإن صمتت المدافع. لقد دفعت البيئة الشيعية، ومعها لبنان كله، أثماناً باهظة من دماء الشهداء وآلاف الجرحى ودمار القرى وتهجير العائلات، في ظل اقتصاد منهار ووطن يزداد هشاشة، وكان حريّاً بهذه التضحيات أن تتحول إلى محطة مراجعة سياسية وفكرية شاملة بدلاً من الانكفاء نحو مزيد من الجمود وتكرار الخطاب ذاته.
إن أخطر ما يواجه أي جماعة سياسية هو تحول أفكارها إلى مسلمات لا تقبل النقاش، بحيث يُصنف الاختلاف خيانة والمراجعة ضعفاً، مما يعطل العقل عن إنتاج البدائل ويجعل الإعلام مجرد صدى متكرر في غرفة مغلقة، بينما يتجاوزنا العالم المتغير بسرعة. ويتجلى هذا العقم بوضوح في إدارة العلاقة مع مؤسسات الدولة اللبنانية، حيث تضيع المصالح في متاهات التخوين والخصومة الشخصية، بدلاً من محاولات التقارب بالف طريقة وطريقة مع المواقع الرسمية؛ فالحوار يحتاج إلى مناخ يسمح به، لا إلى المزيد من الخطابات التي توصد الأبواب قبل أن تبدأ المحاولة.
وعلى المستوى الإقليمي، تبرز الضرورة لمقاربة التحولات والعواصف القادمة بعين الواقعية لا “العواطف”، فالسياسة تُدار بلغة المصالح والقراءات الدقيقة للواقع. ومن هنا تكتسب المسألة السورية أهمية قصوى؛ فالتقديرات حول الضغوط والمغريات الأمريكية —أو التهديدات الضمنية— قد تدفع السلطة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، نحو خيارات تهدف إلى إنهاء دور حزب الله وبيئته، فإن السؤال الوجودي لا ينبغي أن يكون حول ما يكتبه ويردده المحللين والاعلاميين “الخنفشاريين”، بل حول أين تتقاطع المصالح عندما يصبح الوجود نفسه مهدداً؟
لقد أظهرت أحداث السويداء أن غالبية المجتمع الدرزي حول العالم بات يحمل هواجس عنيفة وعميقة تجاه السلطة الجديدة في دمشق، بعدما عاش تجربة دامية تركت آثاراً يصعب تجاوزها. وإذا افترضنا، في أي سيناريو مستقبلي، أن الصراع امتد إلى الداخل اللبناني، فقد يجد الشيعة والدروز أنفسهم، شاؤوا أم أبوا، في خندق واحد، لأن الخطر سيفرض عليهم الدفاع عن وجودهم المشترك.
وربما المناطق الوحيدة التي ستستقبل الشيعة وتدعمهم بالسلاح وتؤمن لهم القوة وتحميهم ليحموها هي المناطق الدرزية؛ لأنها تعلم أنه بحال انتهى الدور الشيعي سيأتي الدور عليهم كما حصل في السويداء والساحل السوري مع الاقليات في سوريا، والموحد الدرزي ليس عاجزا عن الرد على الشيعة واتهامهم بالخيانة كما يتهموه، لكنه مع ذلك يدافع عن سلاحهم وخياراتهم السياسية ويلتصق بهم.
انظروا الى حكمة الدروز وكيف يوزعون الادوار بينهم وهم هكذا على مر التاريخ لذلك هم الجماعة الوحيدة رغم ندرة عددهم لم تنال منهم كل المتغيرات الاقليمية. (وليد بيك جنبلاط يقود معركة سياسية الى جانب الشيعة بميزان من ذهب، بالمقابل الوزير وئام وهاب يقود الى جانبهم معركة الدفاع عن سلاحهم ويشد العصب الدرزي من اجل البقاء في خندق واحد مع الشيعة) لان وليد بيك والوزير وهاب يعلمان انه بحال وقعت الواقعة ودخل السوريين الجدد الى لبنان فان الذي يقاتل هو الشيعي فقط.، وهذه النهاية الحتمية لهذا المصير الواحد، لكن من يخبر الشيعة عن هذا المصير الواحد في إقليم تحترق فيه الأقليات كأوراق الشجر في فصل الصيف ولا يوجد من يطفئ النار فيها؟
حسناً، فهمنا أن الشيعة أقوياء لا يهابون الموت، فهم يخوضون حرباً وجودية ضد إسرائيل، وأيضاً هم قادمون على حرب وجودية أيضاً مع سوريا، وهناك انقسام داخلي عليهم لم يشهد له الشيعة مثيلاً منذ 500 سنة، كما يوجد مليون شيعي دون منازل أو عمل ومشردون في لبنان، بالمقابل يوجد مليون سوري وربما مثلهم لبنانيون لم يعودوا يحتملون الخطاب السياسي والإعلامي للشيعة الذي لا عمل له إلا التخوين، إذاً من الذي يدور الزوايا ويقرب وجهات النظر ويخفف من حدة هذه التصريحات؟
فالماروني الذي يخونوه الشيعة اليوم لن يدمر مصالحه مع الغرب للدفاع عنهم، وهو يشاهد الحكومة العراقية في الاراضي المقدسة الشيعية، تضع حزب الله وبيئته وحلفائه على لوائح الارهاب والعقوبات العراقية.
وكل هذا بسبب الاخطا الاعلامية والسياسية الشيعية.
السياسة ليست دفتراً لحفظ الأحقاد، بل فن إدارة المخاطر. ولذلك فإن إبقاء الجسور مفتوحة مع الدروز، أو مع أي مكوّن لبناني آخر، لا يعني التنازل أو التراجع بل هو في صميم العمل السياسي البناء، ويساعد في تجاوز أسوأ الاحتمالات. فالشعوب التي تعيش على خطوط الزلازل لا تملك الحق ولا يجوز لها إحراق وحدتها الوطنية لانه انتحار جماعي، والجسر الذي نهدمه اليوم قد يكون طريق النجاة غداً.
إن المصيبة الكبرى لا تكمن في الحرب، بل في الهزيمة الفكرية التي تتجلى في الجمود السياسي وتكرار التحليلات والوجوه والمفردات ذاتها لسنوات، وكأن الزمن قد توقف بينما تُعاد رسم خرائط العالم. إن الأمم لا تنهض بتكرار نفسها، بل بامتلاك شجاعة مراجعة الذات؛ فالمراجعة ليست اعترافاً بالانكسار، بل هي الخطوة الأولى والوحيدة نحو النهوض من جديد وتجنب السقوط في شلل العقل والارتهان للماضي.