
بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
ثمة هزائم لا تُقاس بعدد القرارات أو المدن المدمرة، بل بما تتركه من تصدّع في الأساس الذي يقوم عليه النظام بأكمله. فالمدن يمكن أن تُبنى من جديد بعد أن تُدفن تحت ركام الحروب، أما حين تتآكل القواعد التي تنظّم العلاقة بين الدول، فإن ما ينهار يكون أكثر صعوبة في الترميم؛ لأنه يمسّ الثقة بأن للعالم قانونًا واحدًا يُطبَّق على الجميع.
بعد الحرب العالمية الثانية، نشأ نظام دولي على افتراض بسيط وهو أن القوة وحدها عاجزة عن إدارة العالم، وأن الحاجة تفرض وجود مرجعية تتجاوز منطق الغلبة، تتمثل في القانون الدولي والمؤسسات الأممية. صحيح أن هذا النظام لم يكن يومًا خاليًا من التناقضات، وشهد منذ ولادته حالات كثيرة من الانتقائية في تطبيق مبادئه، لكنه بقي، رغم عيوبه، الإطار الذي احتكمت إليه الدول لعقود طويلة.
اليوم، لا نقف أمام حرب عالمية ثالثة بالمعنى التقليدي، بل أمام صراع أكثر تعقيدًا؛ صراع على معنى القواعد نفسها. فالمعركة لم تعد فقط حول الأرض والنفوذ، بل حول من يملك حق تفسير القانون الدولي، ومن يقرر متى تُصان سيادة دولة ومتى تصبح هذه السيادة تفصيلًا يمكن تجاوزه، ومن يرسم الحدود بين الدفاع المشروع والعدوان الصريح؟!
هذه الأسئلة، لا خطوط الجبهات وحدها، هي ساحة المعركة الحقيقية في عالم اليوم.
ففي أوكرانيا، تحوّل مبدأ السيادة إلى محور مواجهة دولية مفتوحة. وفي غزة، ظهر عجز القانون الدولي الإنساني أمام مشهد يومي يتجاوز حدود الاحتمال الإنساني. وفي بحر الصين الجنوبي، باتت حرية الملاحة نفسها موضع اختبار بين القوى الكبرى. ساحات مختلفة، لكنها تحمل الرسالة ذاتها: القواعد التي بدت راسخة لعقود أصبحت اليوم عرضة للمساومة وإعادة التأويل.
ولبنان ليس بعيدًا عن هذا المشهد، بل يشكل صورة مصغّرة لهذا الانكسار العالمي؛ بلد تُنتهك سيادته على مرأى من المجتمع الدولي، وتُدار ملفات أساسية من حوله وخارجه، بينما يُطلب من مواطنيه الاستمرار في الإيمان بأن هناك نظامًا دوليًا قادرًا على حمايتهم.
وخلف كل قاعدة قانونية تُنتهك، هناك إنسان يدفع الثمن بصمت. هناك طفل ينتظر مساعدة قد لا تصل لأن “الممر الإنساني” أصبح ورقة تفاوض، وعائلة تكتشف أن حدود وطنها لم تعد كافية لتمنحها الأمان. فالقواعد الدولية ليست مجرد نصوص في وثائق رسمية؛ إنها الفاصل بين إنسان تحميه المنظومة، وإنسان يُترك لمصيره.
والأخطر أن هذا الصراع لم يعد يُحسم بالسلاح وحده. فقد انتقل إلى ميادين أخرى كالعقوبات الاقتصادية، والحرب على التكنولوجيا، والسيطرة على سلاسل الإمداد، والمعارك حول الرواية الإعلامية. اذ لم تعد الدول بحاجة دائمًا إلى احتلال أرض كي تفرض إرادتها؛ فقد يكفيها أن تتحكم بخوارزمية، أو تعطل اقتصادًا، أو تؤثر في القصة التي يصدقها العالم.
ما يتشكل اليوم ليس بالضرورة نهاية النظام الدولي، بل إعادة تعريف قسرية لقواعده، تجري في ظل غياب اتفاق واضح على شكل العالم المقبل. وبينما تتراجع فكرة القواعد المشتركة أمام صعود منطق القوة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل سيُعاد بناء نظام أكثر عدلًا، أم أن العالم يتجه نحو مرحلة تصبح فيها القوة هي القانون الجديد؟
فالمعركة الحقيقية ليست فقط من سيربح هذه الجولة، بل من سيملك القدرة على الدفاع عن فكرة أن العالم لا يمكن أن يُدار بمنطق الأقوى فقط.