
المهندس هشام جارودي
في الأول من حزيران عام ١٩٨٧، امتدت يد الغدر لتطال الرئيس الشهيد رشيد كرامي. لم يكن تفجير مروحيته العسكرية مجرد اغتيال سياسي عابر، بل كان محاولة دموية لاغتيال فكرة «لبنان الواحد»، وإجهاضاً متعمّداً لكل مساعي إنهاء الحرب الأهلية التي أنهكت البلاد.
في أحلك ظروف الانقسام، برز «الرشيد» كاستثناء سياسي صلب. زعيمٌ انطلق من مدينته الحبيبة طرابلس حاملاً همومها، ليتجاوز زواريب الطائفية والمناطقية الضيقة، ويتحوّل إلى قامة وطنية وعربية بامتياز تظلل جميع اللبنانيين.
لم تقتصر معارك «الأفندي» على ترتيب البيت الداخلي، بل كان الحارس الأمين لسيادة لبنان وهويته في وجه الأطماع الخارجية، وتحديداً إبان الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢.
لقد أدرك مبكراً خطورة المشاريع التوسعية، وثبّت معادلة راسخة بأن عروبة لبنان ليست خياراً للمساومة، بل هي انتماؤه الطبيعي وحصنه المنيع.اليوم، وبعد مرور عقود على رحيله، ندرك تماماً أن لبنان لا يستذكر رشيد كرامي كصفحة طويت من الماضي، بل كحاجة ماسّة لنهجه ورؤيته.
إن الوفاء الحقيقي لدمائه وتضحياته يتطلب منا أفعالاً تكرّس ثقافة التلاقي والاعتدال، واحتراماً عميقاً للمؤسسات الدستورية ومنطق الدولة.رحم الله رجل الدولة وصمام الأمان..