
بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
في أحد بيوت هذا الوطن، تُحصي أمّ الأيام منذ سنوات، لا انتظارًا لعيد، بل لمصير ابنها الموقوف الذي لم يُحاكَم بعد. هذه الأم، وآلاف مثلها، هنّ الثمن الحقيقي لكل تأجيل، ولكل خطاب يتشدّق بـ”حماية العدالة”، فيما العدالة نفسها تحتضر خلف أبواب المحاكم المغلقة.
كلما اقترب ملف العفو العام من الهيئة العامة لمجلس النواب، ارتفعت الأصوات الرافضة له، وكأن المطلوب أن تبقى هذه العائلات رهينة انتظار لا نهاية له. واللافت أن كثيرين ممن يرفعون اليوم راية “حماية العدالة” لم نسمع لهم الصوت نفسه حين تعطلت المحاكم، وتراكمت الملفات، وتمددت المحاكمات سنوات، فتحولت العدالة من حق أساسي إلى عبء يثقل كاهل المظلوم قبل الظالم.
فأي عدالة تلك التي تُحتجز فيها أعمار الناس بانتظار أحكام قد لا تأتي إلا بعد سنوات؟ وأي دولة قانون يصبح فيها بطء القضاء أمرًا اعتياديًا، بينما يتحول أي حديث عن معالجة هذا الخلل إلى اتهام بالتفريط بهيبة الدولة؟
المشكلة اليوم ليست فقط في قانون العفو العام، بل في منظومة كاملة عجزت عن القيام بأبسط وظائفها، ألا وهي محاكمة الناس ضمن مهلة معقولة. فالسجون التي تعاني من الاكتظاظ، والملفات التي بقيت عالقة لسنوات، والموقوفون الذين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية، كلها مؤشرات على أزمة عدالة لا يمكن إخفاؤها خلف الشعارات. ومن هذا الواقع بالذات، لا من فراغ سياسي، انطلق اجتماع النواب السنّة قبل أيام ليطرح مجموعة تعديلات تشريعية تمسّ قانون العفو العام وقانون إلغاء عقوبة الإعدام معًا، معتبرين أن معالجة هذا الملف باتت ضرورة وطنية وإنسانية تتصل بمسار المصالحة وترميم الثقة بمؤسسات الدولة.
والمفارقة الأعمق أن بعض القوى السياسية لا تعارض العفو من حيث المبدأ، بل تعارض هوية المستفيدين منه. فإذا انسجم مع حساباتها أصبح “ضرورة وطنية”، وإذا لم يتطابق مع رؤيتها تحول فجأة إلى “خطر على الدولة”. وهكذا يُقاس القانون بميزان السياسة لا بميزان العدالة، وتتحول قضايا الناس إلى أوراق في بازار المزايدات.
ومع ذلك، فإن من يعترض على هذا الاقتراح لم يقرأه على ما يبدو. فالنص، كما وُضع، ليس صكّ إطلاق شامل يفتح أبواب السجون على مصراعيها، بل عملية تشريعية دقيقة تفرّق بين من يستحق فرصة ومن لا ينبغي أن يُفلت من العقاب. فهو يمنح العفو عن الجرائم المرتكبة قبل الأول من آذار 2026، بما يُسقط الدعوى العامة ويمحو العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية، لكنه في المقابل يستثني بوضوح ما لا يجوز التهاون فيه كالجرائم المحالة أمام المجلس العدلي، وجرائم القتل العمد أو القصد، والجرائم الإرهابية، إضافة إلى جرائم الخيانة والتجسس والارتباط بالعدو. حتى في ملف المخدرات، حرص المشروع على الفصل بين المدمن الذي يستحق فرصة ثانية وشبكات الاتجار المنظم التي لا مكان لها في أي عفو.
وما يعزز هذا الطابع الدقيق للاقتراح أنه لا يكتفي بمنطق “العفو الشامل”، بل يضع له ضوابط صريحة تحمي حقوق الضحايا أنفسهم. فبالنسبة إلى الجرائم الأشد خطورة، كالقتل العمد، والاغتصاب أو الاعتداء الجنسي، والجرائم المرتكبة بحق القاصرين أو من هم تحت سلطة الجاني أو ولايته، إضافة إلى جرائم التعذيب والوحشية والتشويه والخطف والاغتيال السياسي، لا يستفيد المحكوم من أي تخفيض في العقوبة إلا بعد إسقاط الحق الشخصي من قبل المتضررين أنفسهم. وهذا وحده كافٍ لتفنيد مقولة إن القانون “يبرئ المجرمين”؛ فهو، على العكس، يمنح الضحية حق الكلمة الأخيرة قبل أي تخفيف. كذلك يوازي هذا المسعى تعديل مقترح على قانون إلغاء عقوبة الإعدام، يستبدلها أينما وردت بالأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، حفاظاً على التدرج القانوني للعقوبات من دون فرض تشديد بأثر رجعي على المحكومين الحاليين — وهو تفصيل تقني، لكنه يكشف عن مقاربة تعيد النظر في فلسفة العقاب من دون أن تمسّ بحق المجتمع في الحماية.
وإلى جانب هذين المسارين، يطرح الاقتراح حلاً لعلّة أعمق: التوقيف الذي يطول من دون حكم مبرم. فهو يمنح من تجاوزت مدة توقيفه اثنتي عشرة سنة، في الجرائم المرتكبة قبل الأول من آذار 2026، حكمًا استثنائيًا في أي مرحلة من مراحل المحاكمة، إلى جانب دعوة صريحة لتفعيل المادة 108 من أصول المحاكمات الجزائية والرقابة القضائية على طلبات التوقيف. وهنا بالذات يتقاطع النص مع صلب المشكلة التي يعاني منها القضاء اللبناني منذ سنوات: ليست العدالة المتساهلة هي الخطر، بل العدالة الغائبة، تلك التي تترك إنسانًا اثنتي عشرة سنة خلف القضبان قبل أن تقرر مصيره.
ولا أحد يطالب بعفو يشمل القتلة أو مرتكبي الجرائم التي تهدد أمن المجتمع، فالعفو العام ليس إلغاءً للعدالة ولا تبرئة للجريمة. لكن استخدام هذه الجرائم ذريعة لإسقاط القانون برمته ليس دفاعًا عن العدالة، بل تهرّب من مواجهة أزمة حقيقية يعيشها القضاء والسجون منذ سنوات.
أما الرافضون، فهم مطالبون قبل كل شيء بتقديم البديل. هل لديهم خطة فعلية لتسريع المحاكمات؟ هل يملكون مشروعًا لمعالجة الاكتظاظ في السجون؟ هل يستطيعون أن يجيبوا عائلات الموقوفين عن سبب بقاء أبنائهم سنوات خلف القضبان من دون أحكام مبرمة؟ فإذا كان الجواب غائبًا، يصبح الرفض مجرد موقف سياسي لا يقدّم حلًا لأزمة قائمة.
فالعدالة الحقيقية هي أن يُحاسَب المذنب بعد محاكمة عادلة وسريعة، وأن يُنصَف البريء أو من استوفى شروط العفو وفق القانون، لا أن يبقى الجميع أسرى نظام قضائي مترهل.