
بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
يُقال إن الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب. أما في لبنان، وخصوصًا في الجنوب، فالحقيقة لا تموت وحدها… بل تُغتال عمدًا. برصاصة أحيانًا، وبصاروخ في معظم الأحيان.
هنا، تذوب الفوارق بين الخبر والشهادة، ويتحوّل العمل الصحافي من مهنة محفوفة بالمخاطر إلى مواجهة مباشرة مع آلة قتل لا تريد شهودًا. لم يعد الصحافي ناقلًا للصورة فقط، بل صار هدفًا لها. بالتالي المعركة اليوم لم تعد بين جبهتين، بل بين الصاروخ والعدسة.
ذلك العدو لا يخشى ترسانته، بل يخاف ما تفضحه الكاميرا.
يخشى الكادر الضيّق الذي يكشف زيف الرواية، ويعرّي القوة حين تتحوّل إلى جريمة. من هنا، لا يبدو ما يحدث مجرّد استهداف عابر، بل هندسة صمت بدم بارد، اذ يُضرب الصحافي في موقعه، يُحاصر، ويُمنع عنه الإسعاف، في مشهد يتجاوز فوضى الحرب إلى قرار واضح بإعدام الحكاية قبل أن تُروى.
السترة التي تحمل كلمة “PRESS”، والتي يفترض أن تكون صك أمان، تحوّلت إلى إحداثيات قصف. لم نعد أمام رصاصة طائشة، بل أمام استهداف دقيق يلاحق الصحافيين في تنقلاتهم، وفي تجمعاتهم، وحتى في لحظات استراحتهم. إنها إعادة تعريف قسرية لدور الإعلام وهي إما أن تكون شاهدًا صامتًا… أو هدفًا مشروعًا.
لكن المشهد الأكثر قسوة لا يكمن في الضربة الأولى، بل فيما يليها.
حين تُستهدف فرق الإسعاف أو تُمنع من الوصول، يتحوّل القتل إلى فعل مكتمل الأركان. المنطق هنا عارٍ وبسيط: اترك الشاهد ينزف، وامنع إنقاذه، كي يُدفن معه الدليل. عندها، لا يعود القتل نتيجة حرب، بل أداة لضبط الرواية ومحو آثارها.
ومع ارتقاء الزميلة آمال خليل في بلدة الطيري يوم امس، يرتفع عدد شهداء الجسم الصحافي اللبناني إلى 27. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، بل عيون أُطفئت لأنها رأت، وأصوات أُسكتت لأنها نقلت. لم تعد آمال اسمًا في سجل النعي، بل صارت رمزًا لإصرارٍ يُكلّف الحياة. استهدافها لم يكن صدفة، بل حلقة في مسار طويل من الملاحقة، يؤكد أن الكلمة تُخيف أكثر من الرصاصة.
اما لماذا يخافون الكاميرا؟
ذلك لأن القذيفة تقتل اللحظة، أما الصورة فتطارد القاتل في الزمن. اذ تدمير مبنى قد يُنسى، لكن صورة طفل تحت الركام لا تموت. لذلك، يصبح الصحافي عدوًا وجوديًا، ومن ثم لا يُستهدف جسده فقط، بل الذاكرة التي يحملها، والتاريخ الذي يكتبه. إنها محاولة لقطع الطريق على الحقيقة، كي لا يبقى في الأرشيف إلا رواية الأقوى.
اذن، حين يسقط صحافي، لا تسقط قصة واحدة… بل مئات القصص التي لم تُروَ بعد.
تموت شهادات، وتُطمس تفاصيل، ويُعاد تشكيل الواقع وفق ميزان القوة لا ميزان الحقيقة. إنها محاولة لفرض العتمة الكاملة، حيث يتحوّل القتل إلى فعل بلا صورة، وبلا صدى.
في الجنوب اليوم، ليست المعركة على أرضٍ تُحتل أو تُستعاد، بل على من يملك الكلمة الأخيرة.
ومحاولة اغتيال الشاهد ليست إلا اعترافًا صريحًا بالخوف من الحقيقة، وهزيمة أخلاقية مكتملة.
ورغم كل هذا، يبقى السؤال الذي يلاحق القاتل:
كم صحافيًا يجب أن يُقتل… كي تموت الحقيقة؟
الجواب واضح، حتى لو لم يُقال:
الدم الذي سُفك فوق الكاميرات، لم ولن يُطفئها… بل سيحوّلها إلى شهودٍ أبديين.