
بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
في الوقت الذي تُوضّب فيه الوفود حقائبها استعداداً لجولة مفاوضات جديدة في واشنطن هذا الخميس، تبدو اللغة السياسية في وادٍ، والواقع اللبناني في وادٍ آخر تماماً. ففي الغرف المغلقة، تُصاغ عبارات منمّقة عن “تمديد الهدنة” و“خفض التصعيد”، كلمات تنتمي إلى عالمٍ يبدو مثالياً. أمّا على أرض الواقع، وفي أزقة بنت جبيل وتلال شمع وشوارع الجنوب، فتُكتب الحقيقة بلغة خشنة لا تعرف التجميل: لغة الدمار، الهدم، والأرض المحروقة.
هذا التناقض ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل جوهر المأساة. فبين دبلوماسية تحاول تثبيت وقفٍ هش لإطلاق النار، وواقع ميداني يمارس نسفاً ممنهجاً لأحياء كاملة، يجد اللبناني نفسه عالقاً في المنتصف. لم يعد لبنان يتفاوض على حدود أو ترتيبات أمنية فحسب، بل على ما تبقّى من فكرة “الوطن” وسيادته على أرضه.
بالمقابل، في واشنطن تحديداً، تُبسط الخرائط وتُرسم النقاط والخطوط. يناقش الوسطاء آليات المراقبة والضمانات المتبادلة بلغة الأرقام والمعايير، حيث يبدو كل شيء قابلاً للقياس. غير أنّ ما تغفله هذه المحاضر هو أن الوجع الإنساني لا يُقاس؛ فكيف يمكن إدراج شعور أبٍ يرى منزله، الذي أفنى عمره في بنائه، يتحوّل إلى “واقع تفاوضي” أو مجرّد “نقطة ارتكاز” على خارطة عسكرية؟
هنا تبرز خطورة ما يُتداول حول “الخط الأصفر”. فهو ليس مجرد ترسيم جغرافي، بل تصوّر أمني يسعى إلى فرض شريط عازل صامت داخل الأراضي اللبنانية. وما يحدث في القرى الحدودية لا يبدو صدفة عسكرية، بل أقرب إلى إعادة تشكيل للهوية الجغرافية بقوة الانفجارات، بهدف إنتاج شروط تفاوضية جديدة تُفرض كأمر واقع.
يدخل لبنان هذه الجولة مثقلاً بحملين، الرغبة في تجنّب الانزلاق نحو انفجار أوسع، والاضطرار للتعامل مع نتائج ميدانية فُرضت عليه قسراً. وهكذا، تتحوّل المفاوضات من أداة لصناعة الحل إلى محاولة متأخرة للحاق بما خلّفه البارود. الهدنة، إن مُدّدت، قد لا تكون جسراً نحو السلام بقدر ما هي ستارة تُسدل لتكريس واقع جديد وُلد تحت الركام.
المشهد اليوم هو صراع بين لغتين، لغة دبلوماسية تجيد المناورة بالكلمات المرنة، ولغة ميدانية لا تعترف إلا بالحدود الصلبة وقوة النار. وبين هاتين اللغتين، يقف لبنان في موقع هش، يحاول حماية ما تبقّى من خارطته، فيما تُعاد صياغة تضاريسها بالقنابل والفوسفور.
قد تنجح جولة واشنطن في شراء المزيد من الوقت، وقد تُنتج صيغاً مؤقتة تُرضي الأطراف. لكن السؤال الذي ينهش الوعي اللبناني يبقى: أيّ لبنان هو ذاك الذي يجري التفاوض عليه؟ أهو لبنان الـ10452 كلم² كما عرفناه على الخرائط، أم ذاك الذي تُرسم حدوده اليوم بالدخان والدم؟
في النهاية، لا تكمن المشكلة في غياب الدبلوماسية، بل في بطئها أمام تسارع الوقائع الأمنية والعسكرية. وحين تسبق الأحداث حبر الاتفاقات، لا تعود “دبلوماسية الركام” مجرّد استعارة، بل تصبح توصيفاً دقيقاً للواقع.
والخوف الأكبر هو الا تكون الاتفاقات سوى هوامش متأخرة على نصٍ كُتب بالنار.
حينها، لا يُرمَّم الركام… بل يُعاد تعريفه كحدود.