
بقلم: ناجي علي أمهز
قد يستغرب المتابعون لعقلي السياسي المجبول بالبراغماتية هذا الطرح، ويظنون للوهلة الأولى أنه مقال “تكتيكي” يراعي موازين اللحظة، بيد أن من سبر أغوار فكري وروحي معاً، يدرك أن هذا النص هو بيان “استراتيجي وجداني” ينظر إلى “الدعوة للحوار” بوصفها فعلاً مقدساً وضرورة وطنية، لا مجرد تسوية سياسية عابرة. إنني أخط هذه الكلمات لتستقر في ذمة التاريخ، كوثيقة توثق لحظة “اليأس الوطني” التي ينبغي أن تولد من رحمها “الإرادة السيادية” الحقيقية. وإن حلول ذكرى 25 أيار، هذا التاريخ المجيد الذي حرر فيه شعبنا أرضه واستعاد كرامة وطنه عام 2000، يفرض علينا اليوم، وفاءً لكل التضحيات، أن نرتقي بممارساتنا إلى مستوى تلك العظمة التاريخية الاصيلة من عمر وطننا لبنان.
نستهل القول بالتوجه إلى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية، العماد جوزاف عون؛ فخامة الرئيس، إن كل مبادرة تشرعون بها في فضاء الشأن العام لن تُقرأ في محافل سدنة القرار الوطني وصاغة التاريخ الحديث إلا بوصفها انبثاقاً من وجدان أبويّ رءوف، مسؤول عن كينونة الوطن وحق الإنسان في الوجود الآمن والعيش الرغيد. إنها خطوات ترسم معالم الاستقلال الناجز، والسيادة المطلقة، والحرية التي لا تقبل التجزئة أو الارتهان.
فإذا انحنيتم لمواساة الفقراء، كان ذلك غنىً لروحكم لأنكم أنتم الواهبون، وإذا مددتم جسور الحوار حتى مع الخصوم، فذلك لأنكم الأمناء على الوحدة الوطنية. وإن وقوفكم ملياً عند منعطفات الوطن الوعرة وتذليلكم لصخور الصعاب، يكرسكم أوصياء شرعيين على هذا الكيان وعلى أبنائه في هذا الزمن المتلاطم. إن مَدّ اليد لمصافحة من يختلفون معكم ليس انكساراً، بل هو ترفعٌ وجودي يتجاوز الاختلافات في سبيل الخلاص الوطني؛ فسموّ النفس والترفع هما ميزة الكبار الذين يخلدهم التاريخ في صدر صفحاته المضيئة. لم يصبح السيد المسيح أمةً عابرة للزمان والمكان لأنه لعن صالبيه، بل لأنه غفر لهم في ذروة الألم، مكرساً بذلك فلسفة الغفران كأعلى درجات الاقتدار. لقد كان بوسعه أن يكون كآلهة الوثنيين التي تقتات على الانتقام، لكن الإله الحق هو الذي يخضع لنواميس المحبة والمشيئة التي أرساها في تلافيف الكون؛ فكما تذيب النار كل صلب، تفعل الكلمة الطيبة فعلها في الوجدان الإنساني وحتى في الجماد.
ان التقدم للاخر المختلف عن فخامتكم هو لاهوت المحبة، ويتحول إلى أيقونة حية لا تموت في العقول والنصوص والتعاليم. فخامة الرئيس، لا يجوز أن تُوصد الأبواب بوجه أي مكون وطني وأنتم اليوم تجسدون عنوان الديار؛ فمن لا يستقبله وطنه وإن أخطأ، فأي أرض ستأوي روحه المتعبة؟ إن الوطن الذي لا يتسع لأبنائه على اختلاف مشاربهم هو قفرٌ بلقع لا حياة فيه، ولبناننا أخضر، مزهر بفسيفساء شعبه. فلتكن طاولتكم اليوم هي “المائدة الوطنية المقدسة” التي يجتمع حولها الجميع، ليمتزج فيها ملح الانتماء بكبريت الإرادة، صانعين من طين المعاناة قيامةً جديدة للإنسان اللبناني.
ومن رحاب الرئاسة، نيمم شطر دولة رئيس الحكومة، القاضي نواف سلام؛ لقد تتبعنا مسيرتكم الأكاديمية والقانونية منذ عقود، فما وجد أهل الاستنارة إلا عقلاً حكيماً يزاوج بين الصرامة القانونية والعمق الفلسفي والعدالة الرحيمة والقاسية معا. إنكم، يا دولة الرئيس، تتجاوزون في رمزيتكم المنصب التنفيذي لتصبحوا مرجعاً في فقه السياسة والعدل، متسلحين بمنطق فذ وحجج لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. لقد فرضتم حضوركم في المحافل الدولية كقامة فكرية يشعر من يجالسها أن مسالك الحكمة تمر عبركم، فتبوأتم الذرى لا لتعلو بكم، بل ليزهو المنصب بوقاركم وحكمتكم.
إنني أخاطب فيكم هذا العقل المتجرد، وبروح وطنية وثابة، متيقناً أنكم ستتلمسون في كلماتي “الخميرة اللبنانية” الأصيلة التي لا تبتغي إلا مصلحة البلاد. يا دولة الرئيس، قد خلت الأرض من الأنبياء، لكنها استودعت أسرار حكمتهم في عقول الراسخين في العلم أمثالكم. لذا، أناشدكم من منطلق المواطنة والحق الدستوري، أن تعيروا صوتي آذاناً صاغية؛ فما يُكتب اليوم يدخل في “المصفوفة الأبدية” للتاريخ. أدعوكم لأن تقرعوا أبواب الحوار مع “حزب الله” بإصرار الواثق، لفتح صفحة سيادية جديدة. فالمنطقة اليوم ترزح تحت وطأة زلزال “النظام العالمي الجديد”، وأنتم من موقعكم العابر للحدود، تدركون مسارات هذا التحول ومصائره. إن هذه المعرفة العميقة تفرض عليكم مسؤولية شرح الواقع وتوضيح الرؤى للآخرين بصبّ وأناة، فلا عذر لمن أوتي المعرفة إن هو قصر في هداية الركب، فهذا هو قانون الوجود الذي يحكم العارفين.
دعونا نبدأ من جديد، رغم مرارة الدمار وضجيج الدماء؛ ففي نهاية المطاف، لا يوجد رجل دولة حقيقي لا يطمح لأن يرى جيش بلاده في ذروة القوة، وشعبه في رغد العيش، وشوارعه تضج بالحياة والأمل. القائد العظيم هو من يؤلمه انكسار غصن أو إصابة مواطن وكأنه فلذة كبده، فيسعى لتعبيد طرق الخلاص للجميع. يجب أن يكون الحوار مع حزب الله نهجاً مستداماً، فالتاريخ شاهد، والأحداث شواهد، والمحاولة واجب أخلاقي ووطني بانتظار ما يقضيه الله من أمر.
أما الإخوة في “حزب الله”، وهم الأهل والعشيرة وسياج الروح هم نفسي ودمي؛ فلا يمكن لمنصف أن يجحد شجاعتكم وبأسكم وما قدمتموه من تضحيات جسام على محراب الوطن. إن الذين يرمونكم باتهامات شتى، إنما يفعلون ذلك أحياناً من باب الرغبة في استقطاب بأسكم، لأن كل شاب في كنفكم يجسد بطلًا ملحمياً من طراز أبطال الإلياذة، درعاً للوطن وسيفاً يذود عن حياضه. إن هذا الاقتدار الوجودي والإيمان الراسخ في حلبة صراع الإمبراطوريات، يضعكم في قلب المشهد التاريخي الذي يشبه أهوال التحولات الكبرى.
أدعوكم لأن تشرعوا الأبواب للوفاق؛ فمن تقدم نحوكم شبراً من أجل الوطن، فتقدموا منه دهراً من أجل البقاء. أنتم الذين لا تنافسون على حطام منصب، وتبذلون الدماء والآلام قرابين في سبيل الكيان، مدعوون اليوم لتغليب لغة الاحتضان. ليس الوقت اليوم لتسجيل النقاط أو البحث عن انتصارات وانتم اكبر واثبتم عبر العقود الماضية، فالغاية الأسمى هي “بقاء لبنان”. الأمم تمر، والمناصب تزول، ويبقى الفعل الخالد.
السياسة كالرمال المتحركة، لا ينجو منها القوي والكبير بل من تمسك بحبل الوفاق الوطني المتين.
دعونا جميعاً نتجه نحو فجر جديد لوطن يولد من رحم عالم لا يرحم المنقسمين، رابحين كانوا أم خاسرين. فالمتغيرات الكونية أكبر من الجميع، ولن يسلم من عواصفها إلا من اعتصم بحبل الوحدة، “ولن تجد لسنة الله تبديلاً”.