صورة تنزلق
السياسية

رشيد كرامي: دولة الموقف وصمّام الوحدة – لمحات من المسيرة

نزار شاكر

يُعدّ الرئيس الشهيد رشيد كرامي “الرشيد” علامة مضيئة في سجل لبنان المعاصر، وركناً ثابتاً في البناء السياسي والوطني. لم يكن خلال عقود عطائه مجرد رئيس حكومة بروتوكولي، بل كان حارساً للوحدة الوطنية، وصوتاً قوياً في الدفاع عن عروبة لبنان واستقلاله، وصاحب مدرسة سياسية تجيد المزاوجة بين الانتماء الوطني الشامل وخصوصية الهوية.

أبرز المحطات في مشواره السياسي

طبعت مسيرة “الرشيد” سلسلة محطات حاسمة شكّلت ملامح الدولة اللبنانية.

أولها توليه رئاسة الحكومة في سن مبكرة، فقد استلمها لأول مرة عام 1955 وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، فكان من أصغر من شغلوا المنصب في لبنان، مما أظهر قدرة استثنائية على إدارة الأزمات منذ شبابه.

ثانيها موقفه في أزمة 1958 وضمانته للاستقرار، إذ اصطف بوضوح مع البعد العربي للبنان في وجه المشاريع الأجنبية وحلف بغداد، وقاد من طرابلس معارضة صلبة رسّخت قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”، فحمت نسيج الوطن من التفك.

ثالثها شراكته في بناء الدولة مع العهد الشهابي، حيث ارتبط اسمه بالرئيس فؤاد شهاب في مشروع تأسيس دولة المؤسسات، وكان له دور مباشر في تأسيس مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي ومصرف لبنان، سعياً إلى عدالة اجتماعية وإنماء غير مركزي.

رابعها استقالة القاهرة عام 1969، إذ قدّم استقالة حكومته الشهيرة احتجاجاً على أي صدام محتمل بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية، متمسكاً بالامتداد العربي للبنان ومؤمناً بالحوار طريقاً لحل النزاعات الداخلية.

خامسها حكومة الوفاق عام 1984، ففي قلب الحرب الأهلية قاد حكومة جمعت الأضداد بهدف التقاط المشترك وإعادة ربط أوصال الوطن، وبقي على خيار الدولة حتى اغتيل في الأول من حزيران 1987.

الرؤية عند الرشيد: هوية ثابتة ووطن واحد

لم يكن اعتزاز رشيد كرامي بانتمائه السنّي قائماً على تعصب أو إقصاء للآخر، بل على قناعة راسخة بأن المكوّن السنّي هو عماد الوحدة الوطنية والخط العربي السياسي في لبنان. نظر إلى هذه الطائفة كحلقة وصل تمنع البلاد من الانحدار نحو التقسيم أو الانكفاء.”وحدتنا مصدر قوتنا، وعروبتنا حماية لبنان، فلا مكان للبنان إلا كوطن جامع لكل أبنائه على قاعدة الحق والإنصاف” وهذا القول يعكس نهج رشيد كرامي الثابت.

مواقف شاهدة على النهج

شهد له وقوفه ضد التقسيم والفدرلة، فحين رسمت الحرب الأهلية خرائط كانتونات طائفية كان “الرشيد” سداً منيعاً مستنداً إلى قاعدته الشعبية، ومصرّاً على شعار “بيروت للبنانيين جميعاً”، معبّراً عن الموقف السنّي التاريخي المتمسك بدولة مركزية ورافضاً أي تقسيم.

كما تميّز بصون التوازن الميثاقي، إذ تمسّك بصلاحيات رئاسة مجلس الوزراء بوصفها التمثيل الدستوري الأول للمكوّن الإسلامي والسنّي في السلطة التنفيذية، لا كحصة، بل لضمان التوازن الذي قامت عليه الصيغة اللبنانية عام 1943، مع توظيف هذه الصلاحيات لخدمة الفئات المحرومة من مختلف الطوائف. وبالإضافة إلى ذلك جسّد العمق العربي والقضايا الإسلامية، فتجلّى تشبثه بالبعد السنّي في تبنّي قضايا الأمة وأولها فلسطين، ولم يقبل المساومة على عروبة لبنان، مؤكداً أن البُعد العربي هو الإطار الطبيعي للمسلمين السنة ولبنان بأسره.

رحل رشيد كرامي شهيداً، لكن مدرسته بقيت نبراساً لمن أراد للبنان أن يكون وطناً واحداً لا وطنات.

في زمن تتعاظم فيه الدعوات إلى التقسيم والتفك، يظل “الرشيد” مثالاً على أن الثبات على الموقف والانحياز للوحدة الوطنية هما السبيل الوحيد لصون الدولة وحفظ كرامة أبنائها.

فذكراه ليست حنيناً إلى ماضٍ مضى، بل دعوة حاضرة لكل لبناني أن يجعل المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وأن يكون صمّام أمان لوحدة الوطن كما كان.

زر الذهاب إلى الأعلى