صورة تنزلق
السياسية

نبض الوفاء: ماذا قالت طرابلس في ذكرى”الرشيد”؟

خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

بعد تسعة وثلاثين عاماً، اثبتت طرابلس أنها مدينة لا تخون ملحها ولا تنسى رجالاتها. ففي ذكرى استشهاد الرئيس رشيد كرامي، لم يكن اللقاء مجرد موعدٍ على رزنامة الزمن، بل كان فيضاً من العاطفة الجارفة، واستحضاراً لروح رجلٍ غاب جسداً وظل حياً في وجدان الناس.

وفي الوقت الذي تحاول فيه بعض الأقلام العابرة التشويش على مسيرة هذا البيت التاريخي، أطلّ رئيس تيار الكرامة النائب فيصل كرامي، حاضناً عقيدة التيار العروبية، ومحاطاً بزخمٍ شعبي وفاءً لـ “الرشيد”، ليؤكد أن هذا الإرث عصيٌّ على النسيان.

ولم تكن كلمة كرامي التاريخية مجرد خطابٍ عابر، بل جاءت لتلامس جرح المدينة حين قال إن “طرابلس تمشي منذ تسعة وثلاثين عاماً وفي قلبها جنازة لا تنتهي”، واصفاً الشهيد بأنه كان “فكرة اسمها لبنان وحلماً اسمه الدولة”. ومن هذا الوجع الحي، رفع السقف ليعيد رسم الثوابت؛ مؤكداً على عروبة لبنان وعمق علاقاته بالأشقاء العرب، ووجوب حماية الجنوب وسيادته المطلقة، رافضاً بوضوح ومسؤولية رجل الدولة أن يتحول الوطن إلى ساحة لتوجيه الرسائل بالنار أو صندوق بريد للمفاوضات، ليعيد التذكير بـوصية آل كرامي بأن “الكرامة أغلى من الحياة”.

ولعل أكثر ما يبعث على الدفء في هذا اللقاء، تلك اللوحة الإنسانية الجامعة؛ حشدٌ يشبه لبنان بتنوعه، التقت فيه أطيافٌ ومكونات سياسية، إعلامية، دينية وحتى أمنية وشعبية مختلفة تحت سقف الوفاء. عندما تجتمع المرجعيات والخصوم والأصدقاء معاً، تتلاشى الحسابات الضيقة، ويبقى المعنى الأسمى: أن اسم رشيد كرامي لا يزال يجمع القلوب المتفرقة، كأنه مظلة أمان يستظل بها الجميع كلما اشتدت العواصف.

وأمام هذا المشهد الصادق، يبدو غريباً أن ينشغل البعض بعدّ المقاعد وحسابات الأرقام، فقد فاتهم أن يقرأوا الرسالة الوطنية التي خرجت من المنبر؛ فذكرى “الرشيد” لم تكن يوماً مسابقة للحشود، والآلاف الذين ملأوا القاعة وضاقت بهم الشوارع من طرابلس وكل لبنان، لم يأتوا لإثبات وجود أحد، بل لبّوا النداء تلقائياً لأنهم يؤمنون بنهج وقيم لا تموت. إن الاصطياد بالماء الغمر ومحاولات التشكيك وتحويل الوفاء إلى مادة للسجال تذوب كلها أمام حقيقة أن الذكرى نجحت لأنها جمعت الناس حول حلم الدولة والوحدة، وهو نجاحٌ أعمق بكثير من مجرد لقطة كاميرا عابرة.

إن قيمة هذا اليوم لا تُقاس بالأرقام، بل بالدموع وبالمعنى الإنساني العميق. إنها رسالة طرابلسية تقول بوضوح: قد يغتالون الجسد، لكنهم يعجزون عن اغتيال الفكرة. فالعائلة التي حفرت أسماءها في طين هذه الأرض وصخورها، من عبد الحميد إلى رشيد وعمر، لا تُمحى مكانتها بمنشورٍ أو حملة موسمية، لأن زعامتها نابعة من وجع الناس وأصالتهم.

في النهاية، يذوب كل الضجيج أمام صدق العاطفة الشعبية ونبض الشارع الحقيقي الذي لا يُشترى. تسعة وثلاثون عاماً مرّت على الجريمة، وما زال “الرشيد” قادراً على جمع الناس حول ذكراه. إذ لم يكن غيابه إلا تأكيداً على حضور الكبار؛ حضورٌ لا يُقاس بسنوات الغياب، بل بحجم الحب الذي يزداد توهجاً كلما مرّت الأيام في ذاكرة طرابلس والوطن.

زر الذهاب إلى الأعلى