
كتب المحرر السياسي
جريدة الرقيب الالكترونية
منذ عقود، يتكرّر المشهد نفسه، يعتقد البعض أن عائلة كرامي خرجت من الحياة السياسية، وأن الزمن تجاوزها وأن التهميش والحصار والتشويه كفيلة بإسقاطها، لكن ما لا يفهمه هؤلاء أن هذه العائلة لم تكن يوماً ظاهرة عابرة في تاريخ لبنان، بل كانت جزءاً من تكوينه السياسي والوطني والعروبي.
هي أشبه بطائر الفينيق الذي يخرج من تحت الرماد كلما ظنّ خصومه أن النار أتت عليه.
كلما اشتدت حملات الإلغاء، ازدادت حضوراً. وكلما فُتحت عليها أبواب الاستهداف، عادت من أبواب الناس ووجدانهم وتاريخها. ما شهدته طرابلس الأحد الماضي لم يكن مجرد ذكرى سياسية عادية، ولم يكن احتفالاً شعبياً عابراً، كان إعلاناً واضحاً بأن مدرسة الكرامة ما زالت حاضرة، وأن من راهن على غيابها قد أخطأ في الحساب.
لقد شهد معرض رشيد كرامي الدولي حدثاً استثنائياً بكل المقاييس، فمن يعرف حجم التحديات اللوجستية والتنظيمية والأمنية يدرك أن تنظيم مهرجان بهذا الحجم في هذا المكان تحديداً ليس أمراً عادياً.
والأهم أن الحشود التي ملأت الساحات والممرات والطرقات والمساحات المحيطة بالمعرض لم تكن حشوداً مصطنعة ولا مستقدمة بوسائل الترغيب أو الترهيب او المال، بل جاءت وفاءً لقضية وتاريخ ونهج سياسي ما زال يجد صداه بين الناس، ولعلّ أكثر ما أثار ارتباك البعض هو المشهد نفسه.
فبدلاً من الاعتراف بحقيقة ما جرى، انطلقت محاولات التقليل والتشكيك والأرقام الخيالية، وكأن الصور ومقاطع الفيديو والوقائع الميدانية لا وجود لها.
والحقيقة أن الحشد الذي شهده المعرض تجاوز بأشواط الأرقام المتواضعة التي جرى ترويجها بدافع سياسي واضح، فيما كانت التقديرات الواقعية تشير إلى حضور فاق اثني عشر ألف مشارك توزعوا داخل الساحة الضخمة وفي محيطها.
كما اثار نجاح هذه الذكرى حفيظة بعض الاحزاب والشخصيات السياسية التي لم يعجبها الامر ابدا واعتبروه تهديدا جدياً، وهي تعمل منذ الاحد على محاولة “تنفيس” هذا النجاح عبر كتّابها ومواقعها الالكترونية.
لكن المسألة ليست مسألة أرقام فحسب، فمن شارك هو على الاغلب لديه معرفة شخصية بفيصل كرامي سواء كان صغيراً او كبيراً، والمقياس الحقيقي هو المحبة والوفاء لهذا البيت الذي لم يسرق ولم يفسد ولم يلطخ اياديه بالدماء.
فالرسالة الأهم كانت أن طرابلس استعادت موقعها السياسي الطبيعي، عادت لتكون عاصمة القرار الوطني، والعاصمة الثانية للبنان كما كانت دائماً، لا مدينة مهمّشة على هامش المشهد السياسي.
عادت إليها الشخصيات والوفود المحبة والاهل والاصدقاء والمرجعيات السياسية من كل لبنان، وعاد إليها النقاش الوطني الكبير بعد سنوات حاول خلالها البعض حصرها في زوايا الإنكار والإهمال والتهميش.
لقد سقطت يوم الأحد مقولة إن طرابلس خارج المعادلة، وسقط معها وهم أن الكرامية أصبحت جزءاً من الماضي. فالحضور العربي كان واضحاً، والاهتمام الدولي كان لافتاً، والاحتضان الداخلي كان كبيراً، والخطاب الذي ألقاه النائب فيصل كرامي أعاد التأكيد على الثوابت الوطنية والعروبية التي شكّلت على مدى عقود جوهر مدرسة الكرامية السياسية.
لم يكن خطاباً انعزالياً ولا فئوياً، بل خطاب دولة وشراكة ووحدة وطنية وانفتاح على الجميع. خطاباً يربط بين عروبة لبنان وسيادته، وبين العدالة والاستقرار، وبين الوفاء للتاريخ والنظر إلى المستقبل. لهذا السبب تحديداً انزعج البعض من مشهد الأحد، لأنهم لم يروا مجرد مهرجان حاشد، بل رأوا عودة سياسية مدوية.
رأوا تياراً ما زال حياً رغم كل محاولات الإلغاء، ورأوا مدينة استعادت جزءاً من دورها، ورأوا عائلة سياسية أثبتت مرة جديدة أنها لا تُقاس بظروف مرحلة أو نتائج محطة، بل بجذورها العميقة في الأرض والناس والتاريخ.
أما الذين أمضوا الأيام التالية في عدّ الرؤوس ومحاولة تصغير المشهد، فقد فاتهم أن القضية لم تكن يوماً قضية أرقام.
القضية أن تيار الكرامة عاد ليقول انا هنا، وأن طرابلس عادت لتقول إنها هنا أيضاً، والحقيقة وحدها كانت كافية لتُربك كثيرين.