السياسية

مدن في السحاب: عندما يحرس الذكاء الاصطناعي أرواح المدن

بقلم: لبنى عويضة…

خاص: جريدة الرقيب الالكترونية 

لا تكتب المدن تاريخها وذكراها في جدرانها وأشكال أبنيتها وإطارات نوافذها، بل تتشكّل ذاكرة كل مدينة في أهلها الذين يتمشّون في شوارعها، في الجيران وهم يحتسون القهوة ويتبادلون السمر والأحاديث، في السهرات الليلية، في رائحة الطعام كل ظهيرة، وفي المناسبات والأعياد التي يتقاسمها أبناء المدينة من مختلف الأطياف… هذه التفاصيل لا تُذكر في تقارير الدمار ولا تُحسب في ميزانيات الإعمار، لكنها الهوية الحقيقية لكل مدينة، وتحديدًا تلك التي تطالها الحروب.

وهنا يُطرح سؤال عميق: ماذا لو ضاعت هوية المكان قبل أن يُعاد بناؤه أصلًا؟ فالإسمنت يمكن سكبه مجددًا، لكن الذاكرة إذا تبخّرت لا يمكن أن تعود.

عند هذه النقطة، يطلّ علينا الذكاء الاصطناعي من نافذة إنسانية غير متوقعة، وذلك عبر تقنيات التوأم الرقمي والمسح ثلاثي الأبعاد، وهي تقنيات أصبحت قادرة اليوم على حفظ المدن سحابيًا بدقة، حيث تحفظ أزقتها وواجهاتها التاريخية، وكأن المكان يُستعاد بالبيانات قبل الحجر.

هذا التوثيق ليس ترفًا تكنولوجيًا تعتمده الشركات الباردة، بل هو فعل مقاومة يومي بأيدي أهل الأرض؛ إذ خلف كل مجسّم رقمي هناك هاتف محمول يمسك به شخص يوثّق زقاقًا قديمًا أو يحفظ عتبة منزله، وبذلك يتحوّل المواطن إلى حارس لهوية أرضه.

ولعل تجارب عدة، كالموصل مثلًا، لم يكن التوثيق الرقمي فيها مجرد فكرة نظرية، بل جزءًا من مشروع تقوده UNESCO بعنوان “إحياء روح الموصل”، حيث جرى حفظ ملامح المدينة القديمة رقميًا بعد الدمار الكبير الذي أصابها، تمهيدًا لفهم شكلها وإعادة تصورها لاحقًا.

وفي تدمر السورية، ساهمت منظمة CyArk في إنشاء أرشيف ثلاثي الأبعاد للمواقع الأثرية قبل تضرر أجزاء واسعة منها خلال الحرب، ما جعل تفاصيل معمارية مهمة محفوظة رقميًا رغم فقدانها على الأرض.

أما في باريس، فقد أظهر حريق كاتدرائية Notre-Dame de Paris أهمية هذا النوع من التوثيق، إذ اعتمدت فرق الترميم على مسوحات رقمية سابقة للحريق لاستعادة عناصر معمارية دقيقة كان من الصعب إعادة بنائها اعتمادًا على الذاكرة وحدها.

وفي لبنان، خصوصًا في الجنوب، تظهر مبادرات جامعية وبحثية تعمل على توثيق النسيج العمراني والبيوت التراثية، قبل أن تغيّرها التحولات العمرانية أو العسكرية. هي مبادرات لا تنتظر الكارثة، بل تتحرّك بدافع الحفاظ على ما يمكن حفظه قبل أن يصبح فقدانه أمرًا واقعًا.

إذن، من دون هذا “السلاح”، ربما تصبح المدن فريسة سهلة لرأسمالية الكوارث وحيتان العقارات الذين يمحون الحارات الدافئة ليبيعوها أبراجًا زجاجية باردة، ويتاجرون بذكرى وتاريخ كل شارع. وبذلك يصبح التوأم الرقمي أشبه بصكّ ملكية نفسية وثقافية يشهره الأهالي في وجه الاستثمار الأعمى ليقولوا: هكذا كنّا وهكذا سنعود.

يخاف المرء على ذكرياته، ويبقى حنينه لماضيه حاضرًا دومًا مهما تغيّرت المدن بعد الحرب، ويبقى التحدي الحقيقي في عودة روح هذه المدن وهويتها، ولو خسرت عددًا من أبنائها وجزءًا من جدرانها.

في النهاية، إن البيانات الرقمية ليست أكوادًا صمّاء، بل هي دمعة مجمّدة في الفضاء، تنتظر اللحظة التي يعود فيها الدفء إلى الشوارع، ليعرف الأحفاد أن منازلهم نبتت من ذاكرة آبائهم التي رفضت أن تُدفن تحت الركام.

زر الذهاب إلى الأعلى