اخبار ومتفرقات

العلامة فضل الله:وحدة الموقف اللّبنانيّ في هذه المرحلة هي السّلاح الأمضى، ولبنان لن يكون ضعيفاً

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بآخر وصيّة أوصى بها رسول الله (ص) وظلّ يردّدها حتّى غادر الحياة، وهي قوله: “الصَّلاة الصَّلاة، الزموها”، فلا يشغلنَّكم عنها شاغل، واستكثروا منها، فإنّها عمود دينكم، ولا يقوم الدِّين إلَّا بها…

وقوله (ص): “وما ملكت أيمانكم”، أي من هم تحت ولايتكم، أن لا تستضعفوهم، بأن تؤدّوا إليهم حقوقهم، وتحسنوا إليهم، وأن لا يظلموا بحضرتكم.

ثمَّ قال (ص): “ولا يموتنَّ أحدكم إلَّا ويحسن الظنَّ بالله”، بأن لا تغادروا الحياة إلّا وقلوبكم ممتلئة بحسن الظّنّ بالله بأن يكون لكم الثّقة برحمته ومحبّته لعباده وبوعوده وأنّه لكم خير سند ومعين… ما يجعلكم لا تشعرون باليأس، مهما كثرت الذّنوب أو اشتدّت الظّروف وعصفت التّحدّيات. وبذلك نخلص لرسول الله (ص) ونعبّر عن محبّتنا ووفائنا له والتزامًا به وأكثر قدرة على مواجهة التّحدّيات.

والبداية من العدوان الإسرائيليّ، حيث يتابع العدوّ ما كان بدأه من تفجير للمنازل والمدارس والمؤسّسات العامّة والخاصّة والمحال التّجاريّة، في القرى والبلدات الّتي احتلّها ما يجعلها غير قابلة للحياة. فيما تتوسّع دائرة استهدافاته، والّتي لم تقف عند حدود المناطق المتاخمة لمواقع احتلاله، بعد أن تعدّتها إلى مواقع أبعد ممّا شهدناه أخيرًا، ضاربًا بعرض الحائط قرارات وقف إطلاق النّار والمفاوضات الّتي تجري معه. ما يشير مجدّدًا، إلى عدم جدّيّته في الالتزام بالاتّفاقات المعقودة، وإلى كيفيّة تعامله مع المفاوضات الجارية.

ومن هنا، فإنّنا نعيد التّأكيد على الدّولة اللّبنانيّة، ألّا يكون رهانها على حقوق تستجديها من العدوّ، أو من ضغوط تمارس عليه لدفعه إلى تحقيق ما تريده وما يريده اللّبنانيّون، بعد أن لم يبدِ العدوّ أيّ استعداد لإيقاف عدوانه وإعلانه الواضح رفضه الانسحاب من أيّ من القرى والبلدات الّتي احتلّها، وهو لا يتوقّف عن التّهديد بتوسيع عدوانه إذا اقتضت مصالحه ذلك.

إنّنا نريد للدّولة اللّبنانيّة أن يكون رهانها على العمل لبناء موقف لبنانيّ موحّد يأخذ في الاعتبار مصلحة هذا البلد وسيادته على أرضه، ويستفيد من عناصر القوّة الّتي تمتلكها في الدّاخل أو من الأيدي الّتي تقف مع قضيّته في الخارج، أو ممّا يجري من توافقات وترتيبات على صعيد المنطقة ممّا ينعكس إيجابًا على لبنان وعلى قوّة موقفه.

إنّ وحدة الموقف اللّبنانيّ في هذه المرحلة هي السّلاح الأمضى في هذه المرحلة، ولبنان لن يكون ضعيفًا إن توحّدت جهوده وخرج الجميع من حساباتهم الخاصّة أو مصالحهم الفئويّة إلى حسابات الوطن. إنّنا بذلك لا ننفي وجود خلاف بين اللّبنانيّين في خياراتهم تجاه ما يواجهونه أو أن نهوّن منها، لكنّنا دائمًا نؤكّد أنّنا لا نريد لهذا الخلاف أن يؤدّي إلى انقسام كالّذي نشهده على الصّعيد السّياسيّ أو على الصّعيد الإعلاميّ أو على مواقع التّواصل بل نريده أن يدار بما لا يؤدّي إلى توتير السّاحة الدّاخليّة أو إضعافها أو إلى إضعاف الموقف اللّبنانيّ. لذلك، دعونا ولا نزل ندعو إلى الخروج من الخطاب الانفعاليّ الموتّر، إلى الخطاب العقلانيّ الهادئ، والكفّ عن التّراشق بالخطاب الّذي لا يوصل إلى نتيجة وإلى حوار داخلي الّذي نراه هو السّبيل للوصول إلى تفاهمات حقيقيّة، تأخذ بالاعتبار المصلحة اللّبنانيّة العليا والسّيادة اللّبنانيّة الكاملة على أرضه.

في هذا الوقت، ندعو الدّولة إلى القيام بالمسؤوليّة الّتي هي معنيّة بها تجاه مواطنيها، أن تستنفر جهودها من أجل معالجة ما يعاني منه اللّبنانيّون على الصّعيد المعيشيّ بفعل الغلاء الّذي يزداد يومًا بعد يوم والّذي لا يعود السّبب فيه إلى ما يجري في الخارج من حروب بل لجشع التّجّار واحتكارهم، وعدم رقابة الدّولة على الأسعار.

ونتوقّف عند الزّيادة الّتي أُقِرَّت على رواتب النّوّاب، لنقول إنّ من حقّ النّوّاب أن يكون لهم راتب يؤمّن لهم متطلّبات عيشهم الكريم، ولكنّنا كنّا لا نريد لهم أن يزيدوا على رواتبهم أو يقبلوا بها قبل العسكريّين وموظّفي القطاع العام الّذين يبذلون جهودًا للوصول لحقوقهم الماليّة، وحتّى الآن لم تتحقّق كما يريدون.

وبالانتقال إلى فلسطين المحتلّة، حيث يستمرّ العدوّ الصّهيونيّ بخرق الاتّفاق الّذي جرى معه في غزّة، عبر استمرار الاغتيالات والغارات عليها، فيما يصعّد في الضّفّة الغربيّة من خلال اقتحام المخيّمات والتّدمير لبنيتها التّحتيّة بهدف تهجير قسريّ لأهالي المخيّمات، الّتي تشكّل شاهدًا على قضيّة شعب شرّد من أرضه…

ما يدعو العرب والمسلمين جميعًا، كدول وشعوب، إلى القيام بمسؤوليّاتهم تجاه الشّعب الفلسطينيّ وقضيّته، الّتي ينبغي أن تبقى هي المحور والقضيّة الأساس لهم.

وأخيرًا، وأمام ما يجري في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، فإنّنا نأمل التّوصّل إلى اتّفاق جدّيّ ينهي الحرب الّتي شنّت عليها، ما يساهم بإعادة الاستقرار إلى المنطقة وإلى العالم وتمنع من استمرار النّزيف البشريّ والاقتصاديّ فيها. وإن كنّا نرى أنّ التّوصّل إلى حلّ جذريّ لا يزال معقّدًا، في ظلّ تعنّت الإدارة الأميركيّة، وإصرارها على عدم الاستجابة للمطالب المشروعة للجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، وحقّها في الاستفادة الكاملة لشعبها من مقدّراتها وثرواتها.

 

[خطبة الجمعة] في ذكرى وفاة الرّسول (ص): أمانة الرّسالة وعهد الوفاء
العلامة السيد علي فضل الله
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} صدق الله العظيم.
مسؤوليّة الأمانة
نستعيد في الثَّامن والعشرين من شهر صفر، ذكرى وفاة نبيّ الرَّحمة، محمَّد بن عبد الله (ص)، هذا اليوم الَّذي غادر فيه رسول الله (ص) الدّنيا، تاركًا وراءه لوعةً وألمًا وحزنًا في قلوب المؤمنين. فبغيابه، فقد المسلمون من كان الصِّلة بينهم وبين الوحي، ومن أخرجهم من ظلمات الجهل الّذي كانوا عليه إلى نور العلم والهداية، ومن كان لهم الأب والمعلّم والمربّي، والحضن الدَّافئ الَّذي يخلدون إليه عندما تواجههم الهموم والغموم والصّعوبات والتحدّيات، ممّا أشارت إليه الآية الّتي تلوناها.
لكنَّ ذلك لم يجعلهم يتراجعون عن القيام بمسؤوليّاتهم تجاه الدّعوة الّتي جاء بها رسول الله (ص) وأن يتابعوا العمل لنشرها، فقد كان رسول الله (ص) قد أعدَّهم وهيّأهم لليوم الّذي يغادر فيه الحياة، فهو منذ بَدَأ دعوته، كان يركّز في أذهانهم أنَّه بشر، والبشر يموتون، وأنَّ علاقتهم به هي علاقة بالرِّسالة الَّتي جاء بها ودعا إليها، فإن مات الرّسول تبقى الرّسالة، وهو ما عبّرت عنه الآية الكريمة: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئًا}.
وهذا ما حصل؛ فقد قام المؤمنون بدورهم بعد غياب رسول الله (ص)، رغم عظم المصاب عليهم، والفراغ الّذي تركه، واستطاعوا بجهودهم وجهادهم وبالتّضحيات الّتي بذلوها، أن ينشروا الإسلام، وأن يوصلوا صوته إلى كلّ مكان، وأن يبقوه على مدى الزّمن. وها نحن ننعم بحضوره، ونغتني به، ونستقي منه عزّة وحريّة وشعورًا بالمسؤوليّة تجاه النّاس والحياة.
ونحن اليوم في ذكرى وفاته (ص)، سنتوقَّف عند بعض مواقفه مع أصحابه لنتعلَّم منها، كما قال عزّ وجلّ: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.
الرّحمة في مواجهة الأذى
الموقف الأوّل: حصل بعد وفاة عمّه أبي طالب وزوجته خديجة (رض)، إذ اشتدّ أذى قريش للنّبيّ (ص)، فخرج (ص) إلى مدينة الطّائف ليدعو أهلها إلى عبادة الله وحده، وكان يأمل أن يجد قلوبًا تستجيب لدعوته، لكنَّ زعماء الطّائف بادلوا حرصه عليهم بتحريض صبيانهم وسفهائهم عليه، فرشقوه بالحجارة حتّى سال الدّم منه، ما دعاه إلى أن يلتجئ إلى بستان من بساتينها، وأن يتوجّه إلى ربّه قائلًا: “اللَّهمَّ إليكَ أشكو ضعفَ قوَّتي، وقلَّةَ حيلَتي، وَهَواني علَى النَّاسِ… أنتَ أرحمُ الرَّاحمينَ، أنتَ ربُّ المستضعفينَ، وأنتَ ربِّي… إلى من تَكِلُني؛ إلى بعيدٍ يتجَهَّمُني، أَمْ إلى عدُوٍّ ملَّكتَهُ أمري؟! إن لم يَكُن بِكَ غضبٌ عليَّ فلا أبالي”. فجاءه جبريل يومها ليبلغه السّلام من ربّه، وأنّه سمع شكواه ويقول له: “إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين” (جبلان يحيطان بمكّة، وكان ذلك يعني هلاك أهل الطّائف).
لكنَّ النّبيّ (ص) قال: “بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا”، فهو لم يفكّر في الانتقام، بل كان يأمل أن يهتدي به هؤلاء، فإن لم يهتدوا، كان يرجو أن يخرج من أصلابهم من يهتدي به. وفعلًا هذا ما حصل، فبعد سنوات، دخل أهل الطّائف في الإسلام وآمنوا برسالته.
الثّقة بالله
الموقف الثّاني: حصل بعد أن عاد النّبيّ من إحدى حروبه، فنزل هو وأصحابه في وادٍ للاستراحة من شدّة الحرّ، فتفرّق الصّحابة يستظلّون بالأشجار، ووجد النّبيّ (ص) شجرةً فاستظلّ بها، وعلّق سيفه على أحد أغصانها ثمّ غفا.
في هذا الوقت، كان رجلٌ من المشركين يراقب النَّبيّ (ص)، فلمَّا رآه (ص) وحده، انتهز الفرصة، وأخذ السّيف من الشّجرة، واستلّه من غمده، ثمّ وقف فوق رأسه (ص). استيقظ النّبيّ (ص)، فقال له الرّجل وهو يوجّه سيفه إليه: “من يمنعك منّي؟”، فأجابه النّبيّ (ص) بكلّ ثبات وطمأنينة بربّه: “الله”، ثمّ كرّرها ثلاث مرّات: “الله الله الله”.
ارتعد الرّجل، وسقط السّيف من يده، وأصابه الخوف حتّى لم يعد قادرًا على التقاطه. فأخذ النّبيّ (ص) منه السّيف وقال له: “ومن يمنعك منّي؟”، فقال الرّجل: “أنت خير آخذ”، أي خير راحم. فعفا عنه النّبيّ (ص)، رغم كلّ الّذي كان يريد فعله به، وعاد بعدها الرّجل إلى قومه ليقول: “جئتكم من عند خير النّاس”.
إبراء الذّمَّة
الموقف الثّالث: تذكر السّيرة أنَّ رسول الله (ص) حين اشتدَّ عليه المرض، جاء إلى المسجد وهو معصوب الرّأس، يتَّكئ على عليّ (ع) وعلى ابن عمّه الفضل بن عبّاس، بعد أن أخذت منه الحمّى مأخذها، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: “معاشر أصحابي، أيّ نبيّ كنت لكم؟ ألم أجاهد بين أظهركم؟ ألم تكسر رباعيّتي؟ ألم يعفَّر جبيني؟ ألم تسل الدّماء على حرّ وجهي حتّى كنفت لحيتي؟ ألم أكابد الشدَّة والجهد مع جهّال قومي؟ ألم أربط حجر المجاعة على بطني؟ قالوا: بلى يا رسول الله، لقد كنت لله صابرًا، وعن منكر بلاء الله ناهيًا، فجزاك الله عنّا أفضل الجزاء”.
قال النّبيّ (ص): “وأنتم فجزاكم الله، نعم الأصحاب كنتم”. ثمّ قال: “إنَّ ربّي عزّ وجلّ حكم وأقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم، فناشدتكم بالله، أيّ رجلٍ منكم كانت له قبل محمّد مظلمة، إلّا قام فليقتصّ منه، فالقصاص في دار الدّنيا أحبّ إليّ من القصاص في دار الآخرة على رؤوس الملائكة والأنبياء والنّاس…”.
لقد أراد رسول الله (ص) بذلك أن يقدّم درسًا لأصحابه، ومن خلالهم لنا، بأن يحرصوا على أن لا يغادروا الحياة قبل أن يطمئنّوا إلى أن ليس في ذمّتهم تبعة لأحد، لصعوبة الموقف بين يدي الله عندما يتعلّق المظلومون بظالمهم، حيث “يوم المظلوم على الظّالم أشدّ من يوم الظّالم على المظلوم”.
وقد عبّر رسول الله (ص) عن ذلك عمليًّا، عندما قام إليه رجل ممّن كانوا في المسجد، فقال له: “فداك أبي وأمّي يا رسول الله، إنّك لما أقبلت من الطّائف، استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء، وبيدك القضيب الممشوق، فرفعته وأنت تريد الرّاحلة، فأصاب بطني، فلا أدري أعمدًا أم خطأً؟!”، فقال رسول الله: “معاذ الله أنْ أكون تعمَّدت”، ثمّ قال (ص): “يا بلال، قم إلى منزل فاطمة وأْتني بالقضيب الممشوق”. فذهب بلال، والمسلمون في ذهول واعتراض على ما يفعله هذا الرَّجل.
ولمّا جاء بلال بالقضيب، كشف رسول الله (ص) بطنه ليقتصّ منه، ولكن الرَّجل كان له هدف آخر من وراء ذلك، راح الرّجل يقبّل بطن رسول الله، ويقول: أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول الله من النّار يوم النَّار. فقال رسول الله: “أتعفو أم تقتصّ؟”، قال: “بل أعفو يا رسول الله”، فقال (ص): “اللَّهمّ اعفُ عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيّك محمّد”.
وصيّة الرّحيل
الموقف الأخير: حين علم أنَّ النَّاس، رجالًا ونساءً، تبكيه لدنوّ أجله، بعدما علموا باشتداد مرضه، حينها جاء متّكئًا على عليّ (ع) وعمِّه العبّاس، ووقف قائلًا لهم، ليبيّن لهم أنّه لا يريد منهم دموعًا، بل عملًا إن عملوا به يوفونه حقّه: “ألا إنّي لاحقٌ بربّي، وقد تركت فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلّوا؛ كتاب الله بين أظهركم، تقرأونه صباحًا ومساءً، وهو دواء دائكم، فيه ما تأتون وما تدَّعون، فلا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا إخوانًا كما أمركم الله، ألا ثمَّ أُوصيكم بعترتي أهل بيتي، أن لا تفترقوا عنهم أبدًا حتَّى تقوم السَّاعة”.
عهد الوفاء
في ذكرى وفاة رسول الله، لنتوجَّه بقلوبنا وأفئدتنا إلى مقامه (ص)، لنجدِّد له عهد الوفاء، بأنَّنا سنتابع السَّير على هدي كلماته، ومن وحي سيرته، وأن ندعو له بما كان يدعو به الإمام زين العابدين (ع): “اللَّهمَّ فارفعه بما كدح فيك إلى الدَّرجة العليا من جنَّتك، حتَّى لا يُساوى في منزلة، ولا يُكافأ في مرتبة، ولا يوازيه لديك ملك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسَل، وعرِّفه في أهله الطَّاهرين، وأمَّته المؤمنين، من حسن الشَّفاعة، أجلَّ ما وعدْته، يا نافذَ العِدة، يا وافي القول، يا مبدِّل السيِّئات بأضعافها من الحسنات، إنَّك ذو الفضل العظيم”.
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بآخر وصيّة أوصى بها رسول الله (ص) وظلّ يردّدها حتّى غادر الحياة، وهي قوله: “الصَّلاة الصَّلاة – الزموها، فلا يشغلنَّكم عنها شاغل، واستكثروا منها، فإنّها عمود دينكم، ولا يقوم الدِّين إلَّا بها…
– وما ملكت أيمانكم”، أي من هم تحت ولايتكم؛ أن لا تستضعفوهم، وأن تؤدّوا إليهم حقوقهم، وتحسنوا إليهم، وأن لا يظلموا بحضرتكم.
ثمَّ قال (ص): “ولا يموتنَّ أحدكم إلَّا ويحسن الظنَّ بالله”، بأن لا تغادروا الحياة إلّا وقلوبكم ممتلئة بحسن الظّنّ بالله بأن تكون لكم الثّقة برحمته ومحبّته لعباده وبوعوده، وأنّه لكم خير سند ومعين… ما يجعلكم لا تشعرون باليأس، مهما كثرت الذّنوب أو اشتدّت الظّروف وعصفت التّحدّيات. وبذلك نخلص لرسول الله (ص)، ونعبّر عن محبّتنا ووفائنا له والتزامنا به، ونكون أكثر قدرة على مواجهة التّحدّيات.
الاعتداءات.. ومسؤوليّة الدّولة
والبداية من العدوان الإسرائيليّ، حيث يتابع العدوّ ما كان بدأه من تفجير للمنازل والمدارس والمؤسّسات العامّة والخاصّة والمحال التّجاريّة، في القرى والبلدات الّتي احتلّها، ما يجعلها غير قابلة للحياة، فيما تتوسّع دائرة استهدافاته، والّتي لم تقف عند حدود المناطق المتاخمة لمواقع احتلاله، بعد أن تعدّتها إلى مواقع أبعد ممّا شهدناه أخيرًا، ضاربًا بعرض الحائط قرارات وقف إطلاق النّار والمفاوضات الّتي تجري معه. ما يشير مجدّدًا إلى عدم جدّيّته في الالتزام بالاتّفاقات المعقودة، وإلى كيفيّة تعامله مع المفاوضات الجارية.
ومن هنا، فإنّنا نعيد التّأكيد على الدّولة اللّبنانيَّة، أن لا يكون رهانها على حقوق تستجديها من العدوّ، أو من ضغوط تمارس عليه لدفعه إلى تحقيق ما تريده وما يريده اللّبنانيّون، بعد أن لم يبدِ العدوّ أيّ استعداد لإيقاف عدوانه، وإعلانه الواضح رفضه الانسحاب من أيّ من القرى والبلدات الّتي احتلّها، وهو لا يتوقّف عن التّهديد بتوسيع عدوانه إذا اقتضت مصالحه ذلك.
إنّنا نريد للدّولة اللّبنانيَّة أن يكون رهانها على العمل لبناء موقف لبنانيّ موحَّد يأخذ في الاعتبار مصلحة هذا البلد وسيادته على أرضه، ويستفيد من عناصر القوَّة الّتي تمتلكها في الدّاخل، أو من الأيدي الّتي تقف مع قضيّته في الخارج، أو ممّا يجري من توافقات وترتيبات على صعيد المنطقة، ممّا ينعكس إيجابًا على لبنان وعلى قوّة موقفه.
سلاح الوحدة
إنّ وحدة الموقف اللّبنانيّ في هذه المرحلة هي السّلاح الأمضى، ولبنان لن يكون ضعيفًا إن توحّدت جهوده وخرج الجميع من حساباتهم الخاصّة أو مصالحهم الفئويّة إلى حسابات الوطن. إنّنا بذلك لا ننفي وجود خلاف بين اللّبنانيّين في خياراتهم تجاه ما يواجهونه ولا نهوّن منها، لكنّنا دائمًا نؤكّد أنّنا لا نريد لهذا الخلاف أن يؤدّي إلى انقسام كالّذي نشهده على الصّعيد السّياسيّ أو على الصّعيد الإعلاميّ أو على مواقع التّواصل، بل نريده أن يدار بما لا يؤدّي إلى توتير السّاحة الدّاخليّة أو إضعافها أو إلى إضعاف الموقف اللّبنانيّ. لذلك، دعونا ولا نزال ندعو، إلى الخروج من الخطاب الانفعاليّ المتوتّر، إلى الخطاب العقلانيّ الهادئ، والكفّ عن التّراشق بالخطاب الّذي لا يوصل إلى نتيجة، وإلى حوار داخلي نراه السّبيل للوصول إلى تفاهمات حقيقيّة، تأخذ في الاعتبار المصلحة اللّبنانيّة العليا والسّيادة اللّبنانيّة الكاملة على أرضه.
تفاقم الأزمة المعيشيَّة
في هذا الوقت، ندعو الدّولة إلى القيام بالمسؤوليّة الّتي هي معنيّة بها تجاه مواطنيها، أن تستنفر جهودها من أجل معالجة ما يعانيه اللّبنانيّون على الصّعيد المعيشيّ بفعل الغلاء الّذي يزداد يومًا بعد يوم، والّذي لا يعود السّبب فيه إلى ما يجري في الخارج من حروب، بل إلى جشع التّجّار واحتكارهم، وعدم رقابة الدّولة على الأسعار.
ونتوقّف عند الزّيادة الّتي أُقِرَّت على رواتب النّوّاب، لنقول إنَّ من حقّ النّوّاب أن يكون لهم راتب يؤمّن لهم متطلّبات عيشهم الكريم، ولكنّنا لم نكن نريد لهم أن يزيدوا على رواتبهم أو يقبلوا بها قبل العسكريّين وموظّفي القطاع العام الّذين يبذلون جهودًا للوصول إلى حقوقهم الماليّة، وحتّى الآن لم تتحقّق كما يريدون.
تصعيدٌ بهدف التَّهجير
وبالانتقال إلى فلسطين المحتلّة، يستمرّ العدوّ الصّهيونيّ بخرق الاتّفاق الّذي جرى معه في غزّة، عبر استمرار الاغتيالات والغارات عليها، فيما يصعّد في الضّفّة الغربيّة من خلال اقتحام المخيّمات والتّدمير لبنيتها التّحتيّة، بهدف تهجير قسريّ لأهالي المخيّمات الّتي تشكّل شاهدًا على قضيّة شعب شرّد من أرضه… وهو ما يدعو العرب والمسلمين جميعًا، كدول وشعوب، إلى القيام بمسؤوليّاتهم تجاه الشّعب الفلسطينيّ وقضيّته الّتي ينبغي أن تبقى هي المحور والقضيّة الأساس لهم.
هل تنتهي الحرب؟!
وأخيرًا، وأمام ما يجري في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، فإنّنا نأمل التّوصُّل إلى اتّفاق جدّيّ ينهي الحرب الّتي شنَّت عليها، ما يساهم في إعادة الاستقرار إلى المنطقة والعالم، ويمنع من استمرار النّزيف البشريّ والاقتصاديّ فيها. وإن كنَّا نرى أنّ التّوصّل إلى حلّ جذريّ لا يزال معقّدًا، في ظلّ تعنّت الإدارة الأميركيّة، وإصرارها على عدم الاستجابة للمطالب المشروعة للجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، وحقّها في الاستفادة الكاملة لشعبها من مقدّراتها وثرواتها.
***

زر الذهاب إلى الأعلى