اخبار ومتفرقات

زيارةُ الحسينِ (ع): تجديدُ العهدِ برفضِ الظّلمِ والفساد

 

العلامة السيد علي فضل الله

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}[الشّورى: 23]. صدق الله العظيم.

الحثُّ على الزِّيارة

حرص أئمَّة أهل البيت (ع) على دعوة محبّيهم وشيعتهم إلى زيارة الإمام الحسين (ع) والوفود إلى ضريحه الشَّريف، وكانوا يحثّون أصحابهم على الدَّعوة إليها.

وقد أرادوا لهذه الزيارة أن لا تقتصر على يوم استشهاده أو أربعينه، بل أرادوا أن تبقى وفود الزائرين على مدار السنة، وعند كلِّ سنة يجتمعون فيها.

ولذا، نراها تدرج في أعمال العديد من المناسبات، فقد وردت ضمن أعمال يوم عرفة، وفي ليالي القدر، وفي ليلة النصف من شعبان، وفي عيدي الأضحى والفطر، وفي ليلة الجمعة ويومها، وغيرها.

ومنذ ذلك الوقت، نشهد جموع المحبين والموالين لأهل البيت (ع) يتوافدون أفراداً وجماعات، ركباناً ومشياً على الأقدام، إلى ضريحه الشريف، يلبون في ذلك نداء أئمتهم ودعوتهم لهم، ويبتغون في ذلك فضلاً ورضواناً من الله سبحانه وُعِدَ به الزائرون، لا يمنعهم عن ذلك طول المسافة، ولا مشاق الطريق، ورغم القيود التي كانت تفرض على الزائرين والضغوط التي كانت تمارس عليهم.

ونحن في هذا اليوم، نشهد على صعيد كربلاء الحشود المليونية التي جاءت من كل حدب وصوب لتبدي صورة معبِّرة عن مدى الالتزام بهذه الزيارة، ومدى مشاعر الحبّ والوفاء لهذا الإمام ولأصحابه ولأهل بيته، وتعزيزاً للنَّهج الذي لأجله بذل دمه ودماء أصحابه وأهل بيته، نهج الإسلام الَّذي جاء به رسول الله (ص).

فهنيئاً للزائرين في هذا اليوم وفي كلِّ الأيام، والتقدير العالي لكلِّ الجهود التي تبذل من أجل ضمان سلامتهم، ولكلِّ الذين يقدِّمون في الطريق إليه أجمل صورة في البذل والعطاء لتكريم الوافدين إلى زيارة أبي عبد الله (ع) ولضمان راحتهم.

حفظاً لأهدافِ الثَّورة

ويعود كلّ هذا التأكيد على زيارة الإمام الحسين (ع) والدعوة إليها، إلى حفظ الأهداف التي لأجلها انطلق الإمام الحسين (ع) بثورته، لإبقائها حيَّة، ولتكون حاضرة على مدى الزمن، تعطي أكلها كلَّ حين وفي كل مكان، حتى لا تضيع ولا تنسى، وهي الأهداف التي أشار إليها عندما قال: “إنّي لم أخرج أَشِراً ولا بَطراً ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنّما خَرَجْتُ لطَلب الإصلاح في أمّة جدّي رسول الله (ص)، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المُنكَر، وأن أسير بسيرة جدي رسول الله وسيرة أبي عليّ (ع)”.

وعندما كان يستنفر في النفوس الغيرة على الحقّ والرفض للباطل، فيقول: “ألا ترونَ إلى الحقِّ لا يُعمَلُ به وإلى الباطلِ لا يُتَناَهَى عنه”.

وعندما كان يقول للساكتين عن الانحراف والظلم والفساد: “أيُّها النَّاس، إني سمعت رسول الله (ص) يقول: مَن رأى منكُم سُلطاناً جائِراً، مُستحلاً لحرم الله، ناكثاً بعَهدِه، مُخالِفاً لسنّةِ رسولِ الله، يَعملُ في عبادِه بالإثمِ والعدوانِ، فلم يغِرْ عليهِ بقولٍ ولا بفعلٍ، كان حَقّاً على الله أن يُدخِله مَدخلَه… ألا إنَّ هؤلاء القوم قد لَزِموا طاعةَ الشيطانِ، وتَولّوا عن طاعةِ الرَّحمنِ، وأظهرُوا الفسادَ، وعطّلوا الحدودَ، واستأثَروا بالفيء، وأحَلّوا حرامَ اللهِ وحَرَّموا حلالَهُ…”.

وعندما دعا الناس إلى أن يرفضوا منطق الذلّ، وأن يكونوا أحراراً أعزَّاء، لا يعطون إعطاء الذليل، ولا يقرون إقرار العبيد.

رفضُ الظّلمِ والفسادِ

هم أرادوا من الزيارة أن تكون إعلاناً صريحاً من كلّ زائر عن رفض أيّ حاكم ظالم أو فاسد أو مستبدّ، أياً كان دينه ومذهبه، ومهما علا موقعه وكبرت قدراته وإمكاناته وعظم جيشه، وأنَّه على استعداد أن يقف في ذلك موقف الحسين (ع) الذي أعلن عنه عندما قال لوالي المدينة، عندما عرض عليه البيعة ليزيد: “إنَّا أهل بيت النبوَّة، ومعدن الرِّسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتَّنزيل، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، ومثلي لا يبايع مثله…”.

وعندما خيَّروه بين أن يبايع يزيد أو الموت وسبي نسائه، قال: “ألا وإنَّ الدّعيَّ ابن الدعيِّ قد رَكَزَ بينَ اثنتينَ، بين السلّةِ والذلَّةِ، وهيهاتَ له ذلك! هيهاتَ منا الذلّة، يأبى الله ذلكَ ورسولُهُ والمؤمنون”.

وقال: “وَاللهِ لاَ أُعْطِيكُمْ بِيَدِي‌ إعْطَاءَ الذَّلِيلِ، وَلاَ أُقِرُّ لَكُمْ إقْرَارَ الْعَبِيدِ”. فالزيارة هي إعلان من الزائر أنَّه مهما كانت الصعاب والتحدّيات، فهو لن يهادن ظالماً أو مستكبراً.

ومن هنا، ندرك الموقف المتشدِّد للطغاة من زيارة الإمام الحسين (ع)، وقيامهم بسجن الزائرين وقتلهم وقطع أيديهم، وفرض الضرائب الباهظة عليهم، وعندما وجدوا أنَّ ذلك لم ينفع، عمدوا إلى هدم قبر الحسين (ع)، وأجروا الماء عليه لمحو آثاره، ولكن هيهات هيهات!

تجديدُ العهدِ للحسين (ع)

لذلك، أيُّها الأحبة، لا يراد لزيارة الحسين (ع)، كما زيارة كلّ أهل البيت (ع)، أن تقف، كما يرى البعض، عند حدود الوصول إلى ضريحه والتسليم عليه وقراءة الزيارة وأداء صلاتها، أو إبداء مشاعر العاطفة لهذا الإمام وذرف دموع الحزن على ضريحه، رغم أهمية كل ذلك، بل يراد منها تفريغ النَّفس من كل انحراف وظلم وذلّ، وأن يشهد الزائر لهذا الإمام بما يعتقد به مما هو وارد في زيارته، ويقول: “أَشـهَدُ أنَّكَ مِن دَعائِم الدّين، وَأركانِ المُؤمِنينَ، وَأشهَدُ اَنّكَ الإمـام البَّرُ التَّقـيّ الرَّضـيّ الزَّكيّ الهادِي المَهدِيّ.. وأَشْهَدُ أنَّك قَدْ أَقَمْتَ الصَّلاةَ وَآتَيْتَ الزَّكاةَ، وَأَمَرْتَ بِالمَعْروفِ وَنَهَيْتَ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَطَعْتَ الله وَرَسُولَهُ حَتّى أَتاكَ اليَقِينُ”.

وأن يجدِّد عهد الولاء له، بأن ينصره ويعزّ القيم التي نادى بها، وأنَّه إن لم يستطع أن ينصره حياً سينصره بعد استشهاده، بنصرة كلِّ الأهداف التي انطلق بها، وبحمل الشعارات التي حملها لتبقى صافية نقية، وأنه سيقف مع كلّ الذين يحملون أهدافه وشعاراته، ولن يخذلهم في سعيهم، وهو يشهد الله على ذلك، كما ورد في زيارته: “أللَّهُمَّ إنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي وَلِيٌّ لِمَنْ والاهُ، وَعَدُوٌّ لِمَنْ عاداهُ… وَأَشْهَدُ أَنِّي بِكُمْ مُؤْمِنٌ، وَبِإِيابِكُمْ مُوقِنٌ، بِشَرايِعِ دِينِي وَخَواتِيمِ عَمَلِي، وَقَلْبِي لِقَلْبِكُمْ سِلْمٌ، وَأَمْرِي لأَمْرِكُمْ مُتَّبعٌ، وَنُصْرَتِي لَكُمْ مُعَدَّةٌ، حَتَّى يأْذَنَ الله لَكُمْ، فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لا مَعَ عَدُوِّكُمْ”.

إنَّ هذا العهد وهذا الالتزام هو ما ينبغي أن يحرص عليه كلّ زائر عند كلّ زيارة، وأن يحمله معه، وعندما يرجع إلى وطنه، وفي كلِّ أرض يوجد فيها، متمسِّكاً به، ومستعدّاً لأن يبذل التَّضحيات لأجله.

فرصةٌ للتَّغيير

ولعلَّ ما يميِّز هذه المرحلة، ومن خلال الحشود المليونيَّة التي تقف اليوم حول ضريح الحسين (ع)، والزيارات التي تحصل على مدار السنة، هو أن تجديد العهد هذا لم يعد فردياً فقط، بل بات شاملاً وعامّاً لكلّ من آمن بموقع الحسين (ع) وبرسالته ومنطلقاته، حيث نشهد الملايين ينادون بلسان واحد: لبَّيك يا حسين، لبَّيك يا أبا عبد الله، والتي كما ينبغي أن تبقى على صعيد الحناجر، ينبغي أن تكون على أرض الواقع.

ونحن مع الحسين (ع)، وبكلِّ ما يمثِّل على الصعيد الإسلامي والإنساني، لا نحتاج إلى التَّأكيد أن كل هذه الجموع التي قدمت اليوم إلى كربلاء، لا تهدف من وراء ذلك التصويب من مذهب على المذاهب الأخرى، أو دين على الأديان الأخرى أو على أيّ جهة، بل هي تقف سدّاً منيعاً في وجه كلِّ ظالم وفاسد ومنحرف، أياً تكن طائفته أو مذهبه، وحتى لو كان يعلن أنّه منتم إلى الحسين (ع)، ويدين بالولاء لخطّ أهل البيت (ع).

إننا نريد لهذه الوحدة التي نشهدها، والتي نرى فيها أعلى مظاهر التكافل والتعاون والتحابّ، أن تتحول إلى مواقف جادَّة، وأن تكون سيلاً جارفاً يزيل من واقعنا كلَّ فساد وانحراف وطغيان، وأن تكون زاداً روحياً وإيمانياً للزَّائر، يعمل من خلاله من أجل الإصلاح في كلِّ مجالاته الأخلاقيّة والسلوكيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والعائليّة، وبحيث لا تنتهي بانتهاء الزّيارة، ويعود كلّ منا بعدها إلى واقعه، بل أن تساهم الزيارة في تغييره فيما يحتاج إلى التَّغيير، وتعديل مساره فيما يحتاج إلى التعديل، إن على الصعيد الشخصي أو العائلي، أو صعيد مجتمعه أو وطنه أو أمَّته، لتكون صورة كلّ زائر على صورة الحسين (ع)، والتطبيق العملي لما جاء به رسول الله (ص).

وبذلك فقط نكون أوفياء للحسين (ع) ولنهجه ومسيرته، ونحقّق أهدافه الَّتي هي أهداف رسول الله (ص) وأهداف الأنبياء جميعاً.

السَّلامُ عَلَيْكَ يا أَبا عَبْدِ اللهِ، وَعَلَى الأَرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ، عَلَيْكَ مِنّي سَلامُ اللهِ أَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ، وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِكُمْ. اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَوْلادِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَصْحابِ الْحُسَيْنِ.

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}[الشّورى: 23]. صدق الله العظيم.الحثُّ على الزِّيارةحرص أئمَّة أهل البيت (ع) على دعوة محبّيهم وشيعتهم إلى زيارة الإمام الحسين (ع) والوفود إلى ضريحه الشَّريف، وكانوا يحثّون أصحابهم على الدَّعوة إليها.وقد أرادوا لهذه الزيارة أن لا تقتصر على يوم استشهاده أو أربعينه، بل أرادوا أن تبقى وفود الزائرين على مدار السنة، وعند كلِّ سنة يجتمعون فيها.ولذا، نراها تدرج في أعمال العديد من المناسبات، فقد وردت ضمن أعمال يوم عرفة، وفي ليالي القدر، وفي ليلة النصف من شعبان، وفي عيدي الأضحى والفطر، وفي ليلة الجمعة ويومها، وغيرها.ومنذ ذلك الوقت، نشهد جموع المحبين والموالين لأهل البيت (ع) يتوافدون أفراداً وجماعات، ركباناً ومشياً على الأقدام، إلى ضريحه الشريف، يلبون في ذلك نداء أئمتهم ودعوتهم لهم، ويبتغون في ذلك فضلاً ورضواناً من الله سبحانه وُعِدَ به الزائرون، لا يمنعهم عن ذلك طول المسافة، ولا مشاق الطريق، ورغم القيود التي كانت تفرض على الزائرين والضغوط التي كانت تمارس عليهم.ونحن في هذا اليوم، نشهد على صعيد كربلاء الحشود المليونية التي جاءت من كل حدب وصوب لتبدي صورة معبِّرة عن مدى الالتزام بهذه الزيارة، ومدى مشاعر الحبّ والوفاء لهذا الإمام ولأصحابه ولأهل بيته، وتعزيزاً للنَّهج الذي لأجله بذل دمه ودماء أصحابه وأهل بيته، نهج الإسلام الَّذي جاء به رسول الله (ص).فهنيئاً للزائرين في هذا اليوم وفي كلِّ الأيام، والتقدير العالي لكلِّ الجهود التي تبذل من أجل ضمان سلامتهم، ولكلِّ الذين يقدِّمون في الطريق إليه أجمل صورة في البذل والعطاء لتكريم الوافدين إلى زيارة أبي عبد الله (ع) ولضمان راحتهم.حفظاً لأهدافِ الثَّورةويعود كلّ هذا التأكيد على زيارة الإمام الحسين (ع) والدعوة إليها، إلى حفظ الأهداف التي لأجلها انطلق الإمام الحسين (ع) بثورته، لإبقائها حيَّة، ولتكون حاضرة على مدى الزمن، تعطي أكلها كلَّ حين وفي كل مكان، حتى لا تضيع ولا تنسى، وهي الأهداف التي أشار إليها عندما قال: “إنّي لم أخرج أَشِراً ولا بَطراً ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنّما خَرَجْتُ لطَلب الإصلاح في أمّة جدّي رسول الله (ص)، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المُنكَر، وأن أسير بسيرة جدي رسول الله وسيرة أبي عليّ (ع)”.وعندما كان يستنفر في النفوس الغيرة على الحقّ والرفض للباطل، فيقول: “ألا ترونَ إلى الحقِّ لا يُعمَلُ به وإلى الباطلِ لا يُتَناَهَى عنه”.وعندما كان يقول للساكتين عن الانحراف والظلم والفساد: “أيُّها النَّاس، إني سمعت رسول الله (ص) يقول: مَن رأى منكُم سُلطاناً جائِراً، مُستحلاً لحرم الله، ناكثاً بعَهدِه، مُخالِفاً لسنّةِ رسولِ الله، يَعملُ في عبادِه بالإثمِ والعدوانِ، فلم يغِرْ عليهِ بقولٍ ولا بفعلٍ، كان حَقّاً على الله أن يُدخِله مَدخلَه… ألا إنَّ هؤلاء القوم قد لَزِموا طاعةَ الشيطانِ، وتَولّوا عن طاعةِ الرَّحمنِ، وأظهرُوا الفسادَ، وعطّلوا الحدودَ، واستأثَروا بالفيء، وأحَلّوا حرامَ اللهِ وحَرَّموا حلالَهُ…”.وعندما دعا الناس إلى أن يرفضوا منطق الذلّ، وأن يكونوا أحراراً أعزَّاء، لا يعطون إعطاء الذليل، ولا يقرون إقرار العبيد.رفضُ الظّلمِ والفسادِهم أرادوا من الزيارة أن تكون إعلاناً صريحاً من كلّ زائر عن رفض أيّ حاكم ظالم أو فاسد أو مستبدّ، أياً كان دينه ومذهبه، ومهما علا موقعه وكبرت قدراته وإمكاناته وعظم جيشه، وأنَّه على استعداد أن يقف في ذلك موقف الحسين (ع) الذي أعلن عنه عندما قال لوالي المدينة، عندما عرض عليه البيعة ليزيد: “إنَّا أهل بيت النبوَّة، ومعدن الرِّسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتَّنزيل، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، ومثلي لا يبايع مثله…”.وعندما خيَّروه بين أن يبايع يزيد أو الموت وسبي نسائه، قال: “ألا وإنَّ الدّعيَّ ابن الدعيِّ قد رَكَزَ بينَ اثنتينَ، بين السلّةِ والذلَّةِ، وهيهاتَ له ذلك! هيهاتَ منا الذلّة، يأبى الله ذلكَ ورسولُهُ والمؤمنون”.وقال: “وَاللهِ لاَ أُعْطِيكُمْ بِيَدِي‌ إعْطَاءَ الذَّلِيلِ، وَلاَ أُقِرُّ لَكُمْ إقْرَارَ الْعَبِيدِ”. فالزيارة هي إعلان من الزائر أنَّه مهما كانت الصعاب والتحدّيات، فهو لن يهادن ظالماً أو مستكبراً.ومن هنا، ندرك الموقف المتشدِّد للطغاة من زيارة الإمام الحسين (ع)، وقيامهم بسجن الزائرين وقتلهم وقطع أيديهم، وفرض الضرائب الباهظة عليهم، وعندما وجدوا أنَّ ذلك لم ينفع، عمدوا إلى هدم قبر الحسين (ع)، وأجروا الماء عليه لمحو آثاره، ولكن هيهات هيهات!تجديدُ العهدِ للحسين (ع)لذلك، أيُّها الأحبة، لا يراد لزيارة الحسين (ع)، كما زيارة كلّ أهل البيت (ع)، أن تقف، كما يرى البعض، عند حدود الوصول إلى ضريحه والتسليم عليه وقراءة الزيارة وأداء صلاتها، أو إبداء مشاعر العاطفة لهذا الإمام وذرف دموع الحزن على ضريحه، رغم أهمية كل ذلك، بل يراد منها تفريغ النَّفس من كل انحراف وظلم وذلّ، وأن يشهد الزائر لهذا الإمام بما يعتقد به مما هو وارد في زيارته، ويقول: “أَشـهَدُ أنَّكَ مِن دَعائِم الدّين، وَأركانِ المُؤمِنينَ، وَأشهَدُ اَنّكَ الإمـام البَّرُ التَّقـيّ الرَّضـيّ الزَّكيّ الهادِي المَهدِيّ.. وأَشْهَدُ أنَّك قَدْ أَقَمْتَ الصَّلاةَ وَآتَيْتَ الزَّكاةَ، وَأَمَرْتَ بِالمَعْروفِ وَنَهَيْتَ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَطَعْتَ الله وَرَسُولَهُ حَتّى أَتاكَ اليَقِينُ”.وأن يجدِّد عهد الولاء له، بأن ينصره ويعزّ القيم التي نادى بها، وأنَّه إن لم يستطع أن ينصره حياً سينصره بعد استشهاده، بنصرة كلِّ الأهداف التي انطلق بها، وبحمل الشعارات التي حملها لتبقى صافية نقية، وأنه سيقف مع كلّ الذين يحملون أهدافه وشعاراته، ولن يخذلهم في سعيهم، وهو يشهد الله على ذلك، كما ورد في زيارته: “أللَّهُمَّ إنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي وَلِيٌّ لِمَنْ والاهُ، وَعَدُوٌّ لِمَنْ عاداهُ… وَأَشْهَدُ أَنِّي بِكُمْ مُؤْمِنٌ، وَبِإِيابِكُمْ مُوقِنٌ، بِشَرايِعِ دِينِي وَخَواتِيمِ عَمَلِي، وَقَلْبِي لِقَلْبِكُمْ سِلْمٌ، وَأَمْرِي لأَمْرِكُمْ مُتَّبعٌ، وَنُصْرَتِي لَكُمْ مُعَدَّةٌ، حَتَّى يأْذَنَ الله لَكُمْ، فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لا مَعَ عَدُوِّكُمْ”.إنَّ هذا العهد وهذا الالتزام هو ما ينبغي أن يحرص عليه كلّ زائر عند كلّ زيارة، وأن يحمله معه، وعندما يرجع إلى وطنه، وفي كلِّ أرض يوجد فيها، متمسِّكاً به، ومستعدّاً لأن يبذل التَّضحيات لأجله.فرصةٌ للتَّغييرولعلَّ ما يميِّز هذه المرحلة، ومن خلال الحشود المليونيَّة التي تقف اليوم حول ضريح الحسين (ع)، والزيارات التي تحصل على مدار السنة، هو أن تجديد العهد هذا لم يعد فردياً فقط، بل بات شاملاً وعامّاً لكلّ من آمن بموقع الحسين (ع) وبرسالته ومنطلقاته، حيث نشهد الملايين ينادون بلسان واحد: لبَّيك يا حسين، لبَّيك يا أبا عبد الله، والتي كما ينبغي أن تبقى على صعيد الحناجر، ينبغي أن تكون على أرض الواقع.ونحن مع الحسين (ع)، وبكلِّ ما يمثِّل على الصعيد الإسلامي والإنساني، لا نحتاج إلى التَّأكيد أن كل هذه الجموع التي قدمت اليوم إلى كربلاء، لا تهدف من وراء ذلك التصويب من مذهب على المذاهب الأخرى، أو دين على الأديان الأخرى أو على أيّ جهة، بل هي تقف سدّاً منيعاً في وجه كلِّ ظالم وفاسد ومنحرف، أياً تكن طائفته أو مذهبه، وحتى لو كان يعلن أنّه منتم إلى الحسين (ع)، ويدين بالولاء لخطّ أهل البيت (ع).إننا نريد لهذه الوحدة التي نشهدها، والتي نرى فيها أعلى مظاهر التكافل والتعاون والتحابّ، أن تتحول إلى مواقف جادَّة، وأن تكون سيلاً جارفاً يزيل من واقعنا كلَّ فساد وانحراف وطغيان، وأن تكون زاداً روحياً وإيمانياً للزَّائر، يعمل من خلاله من أجل الإصلاح في كلِّ مجالاته الأخلاقيّة والسلوكيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والعائليّة، وبحيث لا تنتهي بانتهاء الزّيارة، ويعود كلّ منا بعدها إلى واقعه، بل أن تساهم الزيارة في تغييره فيما يحتاج إلى التَّغيير، وتعديل مساره فيما يحتاج إلى التعديل، إن على الصعيد الشخصي أو العائلي، أو صعيد مجتمعه أو وطنه أو أمَّته، لتكون صورة كلّ زائر على صورة الحسين (ع)، والتطبيق العملي لما جاء به رسول الله (ص).وبذلك فقط نكون أوفياء للحسين (ع) ولنهجه ومسيرته، ونحقّق أهدافه الَّتي هي أهداف رسول الله (ص) وأهداف الأنبياء جميعاً.السَّلامُ عَلَيْكَ يا أَبا عَبْدِ اللهِ، وَعَلَى الأَرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ، عَلَيْكَ مِنّي سَلامُ اللهِ أَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ، وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِكُمْ. اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَوْلادِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَصْحابِ الْحُسَيْنِ.

زر الذهاب إلى الأعلى