
أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمعٍ ما، ليس أن تنقصه الأفكار، بل أن يمتلئ بالأفكار الكبيرة من دون أن يعرف كيف يستخدمها.
نحن نتحدث كثيراً عن حرية التعبير، وحرية المعتقد، والحقوق الفردية، والديمقراطية، والمساواة… وهذه ليست شعارات اخترعناها لنزيّن بها الخطابات. إنها مفاهيم أساسية في بناء المجتمعات الحديثة، لكن لكل واحد منها فلسفة، وحدود، وقواعد قانونية وأخلاقية واجتماعية تنظّم ممارسته.
فالحرية، مثلاً، لا تعني أن أفعل ما أشاء لأنني حر.
الحرية تصبح قيمة اجتماعية عندما أعرف أن أمام حريتي إنساناً آخر له حرية أيضاً.
وحرية التعبير لا تعني أن أستبيح كرامة الآخرين، ولا أن أنشر معلومة كاذبة ثم أختبئ خلف كلمة «رأي». وحرية المعتقد لا تعني أن أفرض معتقدي على غيري، كما أن الاختلاف لا يمنح أحداً الحق في إلغاء الآخر.
وهنا تبدأ المشكلة التي أراها في مجتمعاتنا، وخصوصاً في لبنان.
لقد استوردنا أحياناً عناوين الحداثة أسرع مما بنينا المؤسسات والثقافة المدنية القادرة على إدارتها. فأصبح لدينا قاموس كبير من الحقوق، مقابل ضعف في ثقافة المسؤولية والحدود والمحاسبة.
وهذا ليس كلاماً أخلاقياً فقط. في علم الاجتماع، لا يقوم المجتمع على أفراد يعيش كل واحد منهم كما يريد بمعزل عن الآخرين، بل على منظومة من القواعد والمعايير والمؤسسات والثقة الاجتماعية التي تجعل ملايين المصالح والحريات المختلفة قادرة على التعايش من دون أن يأكل بعضها بعضاً.
ولهذا فإن بناء الدولة ليس جلسة آراء.
حين نريد بناء جسر، لا نقول: «كل واحد يعطي رأيه بطريقة بناء الجسر». نستدعي المهندس.
وحين نريد إجراء عملية قلب، لا نعمل تصويتاً شعبياً على الطريقة الأفضل للجراحة. نستدعي الطبيب المختص.
فلماذا عندما نريد بناء إنسان ومجتمع ودولة، يصبح الجميع خبراء؟
بناء الأوطان يحتاج إلى علماء اجتماع يفهمون تركيبة المجتمع وتحولاته، وعلماء نفس يفهمون الإنسان وسلوكه، واقتصاديين يدرسون النتائج لا الأمنيات، وخبراء قانون وسياسة وتربية وبيئة وتخطيط.
ليس لكي يحكم «الخبراء» الناس، بل لكي تكون القرارات العامة مبنية على معرفة ودليل وقياس للنتائج، لا على الصراخ والشعبوية ومن يملك جمهوراً أكبر.
ومشكلتنا في لبنان ليست في نقص الأذكياء. لدينا كفاءات هائلة. المشكلة أننا كثيراً ما نضع الرأي والخبرة على المستوى نفسه، ونسمح لمن يملك منبراً أو حماية أو نفوذاً بأن يتحول فجأة إلى مرجع في الاقتصاد والسياسة والتربية والاجتماع، وأن يزرع أفكاراً في مجتمع هشّ من دون أن يسأله أحد: على أي أساس؟ وما الدليل؟ وما نتائج ما تقوله؟
والأخطر من الخطأ هو الخطأ المحمي من المحاسبة.
لأن الإنسان قد يخطئ ويصحّح نفسه. أما عندما تجتمع المعرفة الناقصة مع النفوذ، ثم تُرفع عنها المحاسبة، فنحن لا ننتج مجرد رأي خاطئ؛ نحن نسمح للخطأ بأن يتحول إلى ثقافة، وللثقافة إلى سلوك، وللسلوك مع الوقت إلى أزمة مجتمع.
لذلك أنا لا أخاف من الحرية.
أنا أخاف من الحرية بلا مسؤولية، والسلطة بلا اختصاص، والرأي بلا معرفة، والنفوذ بلا محاسبة.
الدولة الحديثة لا تخاف من حرية الإنسان، بل تنظّم المساحة التي تجعل حريتي وحريتك قادرتين على العيش معاً.
نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للعلم والاختصاص، وإلى مؤسسات تسأل قبل كل قرار: ماذا تقول المعرفة؟ ما أثر هذا القرار بعد خمس أو عشر سنوات؟ ماذا سيفعل بالطفل، بالعائلة، بالاقتصاد، بالبيئة، وبالثقة بين الناس؟
لأن الوطن ليس حائطاً نختلف على لونه.
الوطن بناءٌ شديد التعقيد، وإذا وُضعت أعمدته عشوائياً، لا تسألوا لماذا يتشقق السقف فوق رؤوس الجميع.