صورة تنزلق
اخبار ومتفرقات

إسكاتُ الصورة: كيف تُدار المعركة في الظل

 

استهدافُ الصحافيين في الحالة الإسرائيلية لا يمكن قراءته كوقائع متفرقة، بل كجزء من بنيةٍ أوسع تُدار فيها الحرب على مستويين متوازيين: ميدان النار وميدان المعنى. في هذا الإطار، يتحول الصحافي إلى عنصرٍ يربك التوازن، لأن وجوده يُخرج الحدث من سيطرة المؤسسة العسكرية ويدخله في فضاءٍ مفتوح على التأويل والمساءلة.
التحليل يكشف طبقاتٍ متداخلة. أولها طبقة السيطرة على السرد: كل حرب تحتاج إلى قصةٍ تبررها، وإلى خطابٍ يحميها من الانهيار الأخلاقي. حين تُلتقط صور تتناقض مع هذا الخطاب، ينشأ تهديد مباشر لبنية التبرير نفسها. هنا، يصبح استهداف الصحافي أداة لضبط الفجوة بين الواقع والرواية، عبر تقليص مصادر الصورة غير المنضبطة. الفعل العسكري يتكامل مع فعلٍ إعلامي غير معلن، هدفه إعادة إنتاج الحدث بصيغةٍ قابلة للاستهلاك السياسي.
الطبقة الثانية تتصل بمنطق الردع، لكن في شكله الرمزي. الرسالة لا تُوجَّه إلى الصحافي المستهدف فقط، بل إلى كل من يحمل كاميرا في الميدان. المعادلة تُعاد صياغتها على النحو التالي: الاقتراب من مناطق الحقيقة يرفع كلفة الوجود إلى حدٍّ وجودي. بذلك، يُدفع الصحافيون إلى إعادة تموضعهم، وتُخلق مسافة بين الحدث وتوثيقه، وهي مسافة تستفيد منها الرواية الأقوى عسكريًا.
أما الطبقة الثالثة، فهي بنية الإفلات من المساءلة. غياب المحاسبة الفعلية يمنح هذا النمط استمرارية، ويحوّل الاستهداف من حادثة إلى سياسة قابلة للتكرار. التحقيقات الشكلية، أو تلك التي تبقى ضمن الإطار الداخلي، تؤدي وظيفة مزدوجة: امتصاص الضغط الدولي من جهة، والحفاظ على هامش الحركة الميدانية من جهة أخرى. في هذه المساحة، يتكرس شعور بأن كلفة الاستهداف أدنى من كلفة انكشاف الحقيقة.
الطبقة الرابعة ترتبط بطبيعة الحرب الحديثة كحربٍ على الإدراك. الصورة لم تعد نتيجة للحدث، بل جزء من صناعته. كل لقطة تُعيد ترتيب موقع الضحية والفاعل، وتُعيد تعريف الشرعية. لذلك، يتحول التحكم بالصورة إلى ضرورة استراتيجية. استهداف الصحافيين يندرج ضمن محاولة تقليل الصور الخارجة عن السيطرة، أي تلك التي لا تمر عبر الفلاتر الرسمية أو الحلفاء الإعلاميين.
رغم ذلك، يحمل هذا السلوك تناقضًا داخليًا عميقًا. كل استهداف يضيف إلى المشهد دليلًا مضادًا، ويمنح الرواية الأخرى طاقةً إضافية. الدم يخلق ذاكرةً يصعب محوها، ويحوّل الغياب إلى حضورٍ أكثر كثافة. ومع تراكم الحالات، تتآكل القدرة على إقناع الجمهور العالمي بالرواية الرسمية، حتى مع التفوق في أدوات البث والتأثير.
بهذا المعنى، يظهر استهداف الصحافيين كخيارٍ قصير الأمد في إدارة المعركة السردية، يحقق ضبطًا لحظيًا للصورة، لكنه يفتح على مدى أبعد أزمةً في الشرعية. الحرب هنا لا تُخاض فقط على الأرض، بل داخل وعيٍ عالمي تتشكل ملامحه من كل صورةٍ تُلتقط، ومن كل شاهدٍ يُستهدف، ومن كل فراغٍ يتركه خلفه.

دلال موسى

زر الذهاب إلى الأعلى